يتقلب في كف السنن الربانية مذ كان ترابا إلى أن خلقه الله من نطفة ثم متقادما من خلق إلى خلق حتى أضحى بشرا سويا ، ثم ينكسه الله في الخلق بعدئذ حتى يبلغ أرذل العمر ، فهل يجوز لمثل هذا الإنسان أن يستكبر أو يتكبر ؟ ! هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ عندما خلقنا الله جميعا في صورة ذرٍّ من تراب الأرض مع أبينا الأكبر آدم أبي البشر . ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ أمشاج بين الذكر والأنثى . ولو قدر لنا أن نرى النطفة هذه لاحتقرناها ، واستصغرنا قدرها ، ولكنها - بالتالي - طور من أطوار خلقنا . ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ حينما تجتمع الخلايا إلى بعضها وتتنامى حتى تبدو في صورة قطعة دم عالقة بالرحم . ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ناشئا بحاجة إلى حنين الأم وحماية الأب ، والمحافظة من عشرات الأخطار التي تحيط به لضعف بنيته وصغر حجمه . ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ والله وحده يعلم كم هي السنن التي تساهم في بلوغ ذلك الوليد الصغير مرحلة الشباب والفتوة ! ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً وتمر بكم ألوف الأخطار التي ينقذكم الله منها حتى يضحى الإنسان شيخا ، ولكن البعض يختطفهم ملك الموت قبلئذ ليكونوا عبرة لمن يعي . وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى فلا يموت الشخص حتى يستوفي أجله في الدنيا . وكم من مريض دفن أو معارض للسلطات القوية أو محارب في ميادين القتال ، يتطاول به العمر متجاوزا مئات العقبات ، بينما يموت الشاب الصحيح الذي يحيط نفسه بكل الموانع ، ليكونا معا دليلا على أن الأجل نعم الحارس . وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وتعلمون أن مراد ربكم من تطورات الحياة أن تتعرفوا عليه ، وأن تسلموا له ، وألا تشركوا به شيئا .
من هدى القرآن — صفحة 265
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٦٥