تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 264

مساهمون:

ص٢٦٤
يفوتنا عندما نمعن النظر أن نسبح بحمد الله ، ونتذكر أن خيره عظيم وثابت ، وأنه قد تضاعفت بركته ، وتكامل خلقه ، وحسن تدبيره . [ 65 ] ولكن حاجة الكائنات إلى بعضها ، وحاجة الإنسان إليها ، دليل عجز الخلائق ومحدوديتها ، وبالتالي إنه يكشف وجود نسبة من الموت ومن العدم فيها . فهذا الإنسان حي بعشرات الملايين من السنن التي تحيط به وقائم بها ومن دونها فهو ميت ، دعنا نأخذ الطعام مثلا ، أويعيش البشر من دونه ؟ وكذلك الهواء لو انعدم انعدمت حياته . أفلا يدلنا على أنه ميت لولا الطعام والهواء ؟ من ذلك نهتدي إلى حاجة كل الطبيعة إلى حي يزودها بحاجاتها ، ويدبر أمورها ، وهو الله الحي . ولكن يتجه البعض إلى المخلوقين في قضاء حوائجهم . أفلا يرون أنهم بدورهم محتاجون ؟ هُوَ الْحَيُّ حياته بذاته ، وحياة غيره به ، حياته سبقت الموت ، ووجوده سبق العدم . لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فلا حياة إلا به ، وإذا لا سلطان إلا سلطانه ، فمن طلب حاجة أو أراد عزا فليجأر إليه خالصا له الدين . فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وسلموا له ، واحمدوه حتى يستجيب لكم . الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فقد جاء في الحديث المروي عن الإمام علي بن الحسين عليهما السلام : [ إِذَا قَالَ أَحَدُكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ فَلْيَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ . . . ] « 1 » . بلى ، إذا عرفنا ربنا بأسمائه الحسنى ، وأخلصنا له النيات ، فإنه يستجيب الدعاء بفضله ، جاء في حديث قال قوم للإمام الصادق عليه السلام : ندعوه فلا يستجاب لنا ؟ قال : [ لِأَنَّكُمْ تَدْعُونَ مَنْ لَا تَعْرِفُونَهُ ] « 2 » . [ 66 ] لقد تدرج السياق معنا في مراتب الكمال خطوة فخطوة ، فعالج الكبر الذي يحجب صاحبه من الاهتداء بالآيات ، ويبعثه نحو الجدل فيها ، وبسط القول في آيات الله في الآفاق وفي أنفسنا ، ثم أمرنا بالتسليم لله رب العالمين . وها هو الآن يأمرنا بمواجهة الأنداد ، ذلك أن الإيمان الحق يتبيَّن عندما يحنف صاحبه عن البيئة الفاسدة ، ويتطهر من دنس الشرك والخضوع لغير الله ، ويكون خالصا دينه لله . . ولن يكون ذلك مع مداهنة المشركين ، بل يجب تحديهم . قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ورفضي للآلهة المزيفة نابع من إيماني الخالص بالله والذي هداني إليه الله بالأدلة البينة . لَمَّا جَاءَنِي الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وإننا نجد تأكيدا مجددا على أن الله هو رب العالمين لتصفية ما تبقى من آثار الكبر في النفس ، وهل يفكر عاقل بمنازعة رب هذه السماوات الواسعة والأرضين التي نشاهد عن قرب عجزنا عن مواجهة بعض قواها ؟ ! . [ 67 ] ويستعرض السياق تدرج الإنسان في مراحل الخلق طورا بعد طور ، وكيف أنه
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 90 ، ص 200 . ( 2 ) مستدرك الوسائل : ج 5 ، ص 191 .