فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ واحتمل أن يكون المراد من الآخر : الفوج الآخر ، وهم أزواج ومشابهون للفوج الأول ، ويكون ذلك تمهيدا للحديث التالي عنهم ، وهذا يتشابه وما ذكرناه في تفسير قوله تعالى : احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ [ الصافات : 22 ] .
والاقتحام هو الدخول في الشيء بشدة كالمسمار الذي لامكان له في الحائط فتدخله المطرقة قسرا ، ولأن الطغاة يتعذبون من ضيق المكان ، وأن النار تضيق عليهم كضيق الزج بالريح « 1 » كما جاء في حديث الرسول صلى الله عليه وآله فإنهم ينادون بهم ، لهذا وعلى خلاف ما يقوله صاحب البيت لضيفه فإنهم يقولون : لا مَرْحَباً بِهِمْ أي لامكان يسعهم ، ولا نفس تقبل بحلولهم ، والرحب هو المكان الوسيع ، فكأنهم أرادوا القول : بأن المكان ضيق ويضيق أكثر بهم ، وعللوا لعنهم وسبهم لهم بأنهم أهل جهنم ، وهل يرحب بمن سيصلى نارا ؟ !
إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ وهذا ما يؤكده ربنا بقوله تعالى : كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا [ الأعراف : 38 ] .
[ 60 ] ويبدأ حينئذ الصراع العنيف بين الطرفين ، الذي ينتهي إلى التخاصم والتقاتل ، وفي البين يلقي البعض المسؤولية على البعض الآخر . قَالُوا الأتباع وهم يردون على كلام الطغاة ، حيث تتحول التحية وأعراف الاستقبال إلى سباب بينهم . بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ لأنكم السبب ومنكم الأذى والعذاب ، ويواصل التابعون شجارهم مع الطغاة وهم يحاولون تبرير موقفهم ، والتهرب من المسؤولية . أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا إذ أغريتمونا باتباعكم ، وظللتمونا بمختلف الوسائل حتى صرنا إلى هذا العذاب . فَبِئْسَ الْقَرَارُ أي ساء المكان الذي نستقر ونثبت فيه ، ويقال : فلان قرر أن يفعل كذا إذا ثبت فكره على رأي معين فهو غير متردد ، بل حاسم وقاطع في أمره . وهذه الكلمة تدل على الخلود في النار ، وحين يكون المنزل الأخير سيئا فساء مصيرا .
[ 61 ] ويطلب التابعون من الله أن يزيد العذاب على الطغاة ، جزاء لهم على جرائمهم التي مارسوها بأنفسهم ، وعلى المعاصي التي مارسها التابعون بضغوطهم وتضليلهم . قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ .
[ 62 ] ثم يلتفتون إلى بعضهم ويتساءلون : لماذا لا نجد فلانا وفلانا - يقصدون بعض المؤمنين - في النار ؟ ! وَقَالُوا مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنْ الأَشْرَارِ وهناك تنكشف لهم أخطاؤهم ، ففي البدء اكتشفوا أن القيادة التي اتبعوها كانت منحرفة ، والآن تبين لهم أيضا
هامش
( 1 ) نور الثقلين : ج 4 ص 467 والزج : كما يبدو هو القربة .