تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 117

مساهمون:

ص١١٧
أن مقاييسهم في الحياة وتقييمهم للآخرين هي الأخرى كانت خاطئة ، وكان ينفعهم ذلك لو عرفوه في الدنيا وعملوا على إصلاح أنفسهم ، ولكنهم رفضوا الرسالة واتبعوا الأهواء . [ 63 ] ويُردُّ أهل النار عدم رؤيتهم لمن كانوا يتصورونهم أشرارا في النار إلى أحد سببين ، فإما أنهم صاروا إلى الجنة وهذا يعني أن مقاييسهم وبالتالي موقفهم تجاه أولئك كان خاطئا ، أو أنهم موجودون معهم ولكنهم لا يرونهم . أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً في الدنيا وتبين الآن سلامة خطهم . أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمْ الأَبْصَارُ فلا نراهم . ولهذا المقطع تفسير آخر هو : أنهم يعنون الله ، بأنه ربما أدخلهم الجنة غفلة واشتباها مع أنهم من أهل النار ، وتعالى ربنا أن يضل أو ينسى ، بل هم المخطئون في تقييمهم للمؤمنين . ويبقى السؤال : من هم أولئك الذين تعنيهم الآيات في واقعنا الراهن ؟ إنهم الطغاة بلا ريب ، وهم حكام الجور المتسلطون قسرا على رقاب العباد ، والذين يحكمون بغير ما أنزل الله ، ويتجاوزون حدود الله ، ويذلون عباد الله ، أما جنودهم وأزواجهم فهم الذين يتبعون نهجهم ، أو يشاركونهم في ظلمهم . أما الذين يعدونهم من الأشرار فهم الثائرون ضدهم من عباد الله المخلصين ، الذين رفضوا عبادة غير الله ، واتخاذ الآلهة المزيفة أربابا من دون الله رب العالمين . إن الطغاة وجنودهم من قوى الظلم ، وأبواق الضلالة ، يكيلون التهم ضد الثائرين عليهم ، ويَعُدُّونهم شرا من اليهود والنصارى والمجوس . ولكن هؤلاء الذين عَدُّوهم أشرارا في الدنيا يفتقدونهم في النار ، ويعلمون أنهم هنالك في الجنة يحبرون . وكان أتباع أهل بيت الرسالة من هؤلاء ، إذ رفضوا سلطات الجور والقمع والضلال ، وطاردتهم قوى الإرهاب ، وألصقت بهم أبشع التهم ، ولكن أئمة الهدى من آل الرسول عليهم السلام كانوا يُسلّونهم بأنهم سوف يُحبرون في الجنة بينما يُطلبون في النار . يقول ( مُيَسِّرٍ ) - وهو أحد المؤمنين الرافضين لسلطات الجور - : ( دَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِالله عليه السلام فَقَالَ : كَيْفَ أَصْحَابُكَ ؟ فَقُلْتُ : جُعِلْتُ فِدَاكَ لَنَحْنُ عِنْدَهُمْ أَشَرُّ مِنَ اليَهُودِ والنَّصَارَى والمَجُوسِ والَّذِينَ أَشْرَكُوا قَالَ وكَانَ مُتَّكِئاً فَاسْتَوَى جَالِساً ثُمَّ قَالَ عليه السلام : كَيْفَ قُلْتَ ؟ . قُلْتُ : واللهِ لَنَحْنُ عِنْدَهُمْ أَشَرُّ مِنَ اليَهُودِ والنَّصَارَى وَالمَجُوسِ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا فَقَالَ عليه السلام : أَمَا وَالله لَا تَدْخُلُ النَّارَ مِنْكُمُ اثْنَانِ لَا والله ولَا وَاحِدٌ وَالله إِنَّكُمُ الَّذِينَ قَالَ اللهُ عَزَّ وجَلّ : وَقَالُوا مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنْ الأَشْرَارِ ( 62 ) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمْ الأَبْصَارُ ( 63 ) إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ ثُمَّ قَالَ عليه السلام : طَلَبُوكُمْ والله فِي النَّارِ فَمَا وَجَدُوا مِنْكُمْ أَحَداً ) « 1 » .
هامش
( 1 ) الكافي : ج 8 ص 78 .