تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 114

مساهمون:

ص١١٤
المسافة بين العاقبتين منعدمة تماما ، فليس ثمة منطقة أخرى بينهما ، لهذا يكفي الإنسان حتى يدخل الجنة أن يخرج نفسه من النار ، وكما قال الله : كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [ آل عمران : 185 ] . وهنا في هذه السورة وبعد أن يبيَّن القرآن الحكيم أمثلة واقعية من التأريخ عن الذين أخلصوا لله في معتقداتهم وأعمالهم ، فأصبحوا بذلك قدوة وأئمة في الصالحات ، فمنهم من صبر وتجاوز إغراء السلطة والمال كداود وسليمان عليهما السلام ومنهم من صبر على البلاء حتى صار مضرب المثل كأيوب عليه السلام فنالوا الجنة على ذلك . بعد ذلك كله يضرب لنا مثلا من واقع أصحاب النار الذين عصوا الله ، وحاربوا المؤمنين ، وطغوا في الأرض . وكما أن الأنبياء يشفعون لأتباعهم ويدخلونهم الجنة لا يدخل هؤلاء النار بمفردهم إنما يجرُّون معهم كل من انتمى إليهم ، واتبع خطهم في الحياة ، وهناك يتخاصم التابع والمتبوع تخاصما عنيفا ، يلقي من خلاله كل طرف المسؤولية على الطرف الآخر ، وكان ينبغي أن يحدث هذا الصراع في الدنيا ، بأن يتمرد الإنسان على أئمة الكفر ، ويرفض حكم الطغاة ، أما وهو لم يفعل ذلك فلن ينفعه تخاصمه في يوم الحساب شيئا وقد فوَّت على نفسه فرصة الاختيار السليم ، والعمل الصالح في دار الابتلاء . إن السبب الذي يدعو أكثر الناس لاتباع الطغاة ، والانسجام مع الواقع المنحرف الذي يصنعونه في المجتمع ليس عدم معرفتهم بخطئه ، إنما لا يتمردون عليه هربا من صعوبات الصراع ومسؤولياته ، وإذا استطاعوا ذلك في الدنيا فإنهم يجدون مرارة الصراع في نار جهنم ، حيث الظروف القاسية ، والعذاب الأليم المستمر . إن ربنا يقسم في هذه الآيات بأن الصراع في النار حق - كما أكد ذلك في الدنيا في مواقع أخرى من القرآن - والتخاصم الذي يشتعل لظاه هناك لهو دليل على ترك الإنسان الالتزام بمسؤوليات الصراع في هذه الحياة ، والذي لا يختار الحق بإرادته يخضع له على الرغم منه ، وقد ترك هؤلاء مكافحة الظلم ، فها هم يكافحونه هناك في النار . بينات من الآيات : [ 55 ] كما ركزَّت الآيات في أذهاننا مشهد الجنة وبالتالي جزاء المخلصين تذكِّرنا في المقابل بعاقبة الطغاة . هَذَا اسم إشارة يتضمن دعوة للذي يتلو القرآن بالنظر في عاقبة المتقين ، والتفكير في جزائهم ، ولكن ينبغي أن لا يغفل عما أعد للظالمين من العذاب ، وذلك من أجل أن يحفظ توازن نفسه وعقله بين الرجاء والخوف . وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ وتقابل هذه الآية
من هدى القرآن — صفحة 114 | السيد محمد تقي المدرسي