الآية ( 49 ) التي وردت في الدرس الماضي ، فللمتقين العاقبة الحسنة عند الله ، وللطغاة عاقبة السوء والشر ، وليس المقصود من الطاغية هنا السلطان الجائر وحده ، وإن كان هو التجسيد الأوضح والأشمل للطغيان ، إنما جنوده وأجهزته أيضا ، إذ لولاهم لما قدر على الظلم والفساد ، بل لعلنا نعمم الحكم على سائر معاني الطغيان ، فكما يطغى الإنسان في الحياة السياسية فإنه يطغى كذلك في الحياة الاجتماعية ، فيظلم جاره وأسرته والناس ، ويظهر من أحاديث مستفيضة في تفسير الآية أن المعني بالطاغين هم سلاطين الجور ، بينما المعني بما يلي هم أتباعهم ومن سار على دربهم .
[ 56 ] وتفصِّل الآيات في ذكر عاقبة الطغاة ، زيادة في التخويف لعل الإنسان يثوب عن الباطل ، ويهتدي للحق رغبة في الثواب ، ورهبة من العذاب . جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا قال بعض الفلاسفة القدماء - يتبعهم بعض الجهلة اليوم - : إن أهل النار يتعودون على عذابها فلا يعودون يتأثرون به ، وجَسَّدوا هذه الفكرة المنحرفة في هيكل حيوان زعموا بأنه يلتهم النار ، أما القرآن وهو الحق فإنه يخالف هذه الخرافة مؤكدا بأن المجرمين يتذوقون العذاب ، وكلمة يَصْلَوْنَهَا تعني أنهم تمسهم جهنم مسا .
فَبِئْسَ الْمِهَادُ وهو المكان الذي يمهد ويهيأ لهم وكأنهم مهَّدوا لأنفسهم فراشا من النار في جهنم ، بلى ؛ تمهيد الأرضية لسلطانهم تجسد في ذلك اليوم في تمهيد جهنم لهم .
[ 57 ] هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ والحميم هو الحرارة الشديدة ، أما الغسَّاق فهو كما جاء في بعض كتب اللغة : القيح النتن ، وفي الرواية عن الإمام أبي جعفر عليه السلام قال :
( الغَسَّاقُ وَادٍ فِي جَهَنَّمَ فِيهِ ثَلَاثُمِائَةِ وَثَلَاثُونَ قَصْرٍ فِي كُلِّ قَصْرٍ ثَلَاثُمِائَةِ وَثَلَاثُونَ بَيْتٍ ، فِي كُلِّ بَيْتٍ أَرْبَعُونَ زَاوِيَةً فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ شُجَاعٌ
( الحية العظيمة المخيفة )
فِي كُلِّ شُجَاعٍ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثُونَ عَقْرَباً في جُمْجُمةِ كُلِّ عقرْبٍ ثَلَاثُمِائَةِ وَثَلَاثُونَ قُلَّةِ سَمٍّ ، لَوْ أَنَّ عَقْرَباً مِنْهَا نَضَحَتْ سَمَّهَا عَلَى أَهْلِ جَهَنَّمَ لَوَسِعَتْهُمْ بسَمّها )
« 1 » .
[ 58 ] وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ ولا يقتصر العذاب على هذين النوعين إنما هو أنواع وأساليب مختلفة كثيرة ، ونستوحي من هذه الآية أن أنواع العذاب كثيرة جدا ، إلا أن بعضها يتلازم مع بعض ، كما يتلازم الحميم مع الغساق ويكمله .
[ 59 ] وبعد أن يدخل الطغاة النار وينتهي كل واحد إلى موقعه ، الذي يضيق به ، يجدونه آخرين من أشباههم وأتباعهم الذين انخدعوا بهم يدخلون معهم إلى جهنم ويقال لهم . هَذَا
هامش
( 1 ) تفسير القمي : ج 2 ، ص 242 .