محور الحوار الذي دار في الملأ الأعلى حين خلق الله الإنسان الأول ، وأسجد له ملائكته ، ورفض إبليس السجود تكبرا ، وبالتالي أنه هدف خلق البشر ، وحكمة سجود الملائكة له ، فكيف يجوز التهاون فيه ؟ ! .
[ 70 ] إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ إن دور الرسول صلى الله عليه وآله هو الإنذار بوضوح ، ومسؤوليته إبلاغ الرسالة إلى الناس كما هي بالضبط ، وفي هذا تمهيد للحديث الذي سيتطرق له الدرس القادم حول قضية آدم وإبليس ، التي تمثل جانبا من الغيب ، حيث يحتاج التسليم لما يقوله الرسول فيها لهذه المعرفة بدور الرسول ، ذلك أن الجدل الذي دار عند خلق الإنسان في الملأ الأعلى بين الملائكة وربهم - سبحانه وتعالى - كان حول حكمة خلق الإنسان الذي يفسد في الأرض ، ويسفك الدماء ، ولكن ربنا قال لهم يومئذ : إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ [ البقرة : 30 ] . وكان من علم الله انبعاث الرسل ، وإيمان فريق من الناس بهم ، وخلوصهم في عبادة ربهم ، برغم عواصف الشهوة ، ونوازع الكبر والغفلة ، وضغوط الطغاة ، مما جعل هذا الفريق هم صفوة الخلق الذين باهى بهم الله ملائكته المقربين .
وهكذا نقرأ في النصوص الإسلامية : أن ما اختصم به في الملأ الأعلى الأعمال الصالحة التي بادر إليها المخلصون من البشر ، فعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله قال :
( قَالَ لِي رَبِّي أَ تَدْرِي فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلَأُ الأَعْلَى ؟ . فَقُلْتُ : لَا . قَالَ : اخْتَصَمُوا فِي الكَفَّارَاتِ وَالدَّرَجَاتِ .
فَأَمَّا الكَفَّارَاتُ : فَإِسْبَاغُ الوُضُوءِ فِي السَّبَرَاتِ ، وَنَقْلُ الأَقْدَامِ إِلَى الجَمَاعَاتِ وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ وَأَمَّا الدَّرَجَاتُ فَإِفْشَاءُ السَّلَامِ وَإِطْعَامُ الطَّعَامِ وَالصَّلَاةُ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ )
« 1 » . وتضيف رواية ثانية عن النبي صلى الله عليه وآله : ( . . .
وَوَلَايَتِي وَوَلَايَةُ أَهْلِ بَيْتِي حَتَّى المَمَاتِ )
« 2 » .
وإذا تدبرنا في سياق الآيات لعرفنا أن أعظم أهداف خلق البشر هو توحيد الله ، ولا يتحقق توحيد العبد ربه إلا بالتسليم لولاية الله وولاية من عقد الله له الولاية ، ورفض الأنداد والآلهة التي تعبد من دون الله ، أما مجرد الصلاة دون التسليم للقيادة الشرعية فإنها فارغة عن جوهر العبادة . أرأيت الطغاة يمنعون عن الصلاة ؟ كلا . . بل ترى بعضهم يبادر إلى بناء المساجد ، وإقامة الصلوات الحاشدة فيها ، ولكنهم يتكبرون في الأرض بغير الحق ، فهل تشفع لهم صلاتهم هذه ؟ كلا . . لأنهم ينازعون الله رداءه ، ويغتصبون الولاية الإلهية ويدعون الناس إلى عبادتهم من دون الله .
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 18 ، ص 375 .
( 2 ) بحار الأنوار : ج 67 ، ص 6 .