أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ فهذا فريق أضله الشيطان ، وهداه إلى سبيل البوار ، وأهلكه أمام أعينكم ، ثم لم يصبح عبرة لفريق آخر ، وهكذا استمر الشيطان يضل منكم فئاما بعد فئام ، دون أن يعقل اللاحقون ، ويعتبروا بمصير الغابرين .
بينما كان مقتضى وجود العقل عند البشر هو أن يستفيد منه في تحديد طريق النجاة ، وتجنب سبل الهلاك .
ومن أبرز ما يستفيد العاقل من مصير الغابرين كيفية إضلال الشيطان لهم ، ذلك أن الشيطان ليس خلقا غريبا يقتحم عليك بيتك حتى تتحذر منه ، كلا . . إنه في عروقك ، في أعماق فؤادك ، في أقرب الأصدقاء إليك ، في زوجك وأخيك ، في تربية أمك وأبيك ، في كلمات معلمك ، وحتى في توجيهات من نصب نفسه عالم دين . وأولئك الذين هلكوا جاءهم الشيطان من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وشمائلهم ، وشبه لهم ، وزين لهم ، وبرر لهم بوسائل شتى . فإذا أردنا أن نمنعه . فلا بد أن نكون في أقصى الحذر والعقل .
[ 63 ] إننا رأينا هلاك الغابرين ولا تزال آيات دمارهم مكتوبة على آثارهم ، ومحفورة في أفئدة الأجيال ، ولكن الأدهى من هلاكهم النار التي وردوها هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ .
[ 64 ] إنهم سوف يدخلونها ، ويصطلون بنارها بسبب كفرهم اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ .
[ 65 ] إنهم كانوا يبررون كفرهم بأعذار واهية ، ويجادلون بالباطل ليدحضوا به الحق ، ويزعمون أن جدالهم يغني عنهم شيئا ، ولكن في ذلك اليوم الرهيب لا يسمح لهم بالكلام ، وإنما تنطق عليهم جوارحهم بدل ألسنتهم . الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ فلا يعتذرون ولا يجادلون ؛ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ فالأيدي والأرجل تشهد بأعمالهم ، فلا سبيل إذا إلى الإنكار أو الاعتذار أو حتى إلى الجدال .
ولعل الشهادة هنا تصويرية . أو لسنا قد اكتشفنا - بما أوتينا من علم قليل - كيف نستنطق أصابع اليد لنعرف المجرمين بطبع الإبهام ؟ أو لم نبتدع جهاز كشف الكذب المعتمد على نبضات القلب ؟ أولم نهتدي إلى مرتكبي الجرائم بآثارهم الخفية ؟ ولا ريب أنه كما تنعكس الأعمال على الطبيعة ، تنعكس آثارها على الجوارح ذاتها ، بيد أنا لما نكتشف وسيلة لمعرفة أبعادها .
ولكن الرب - سبحانه - يظهر الخفايا في ذلك اليوم الرهيب ، فيرى الإنسان شريطا
من هدى القرآن — صفحة 395
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٩٥