وبكلمة إذا كان للإنسان بعدان : بعد جاهلي يعكس شهواته وأمنياته ونوازع الشر عنده ، وبعد رسالي يعكس عقله وعواطف الخير فيه ، فإن الشعر إفراز للبعد الجاهلي وتكريس له ، سواء عبر عنه بقصائد موزونة ومنسقة أو بتعابير نثرية وعادية ، ولكن بما أن الباطل مرفوض عند البشر بذاته فإن أصحاب الثقافة الجاهلية يزينونها للناس تارة بأنغام الشعر ، وأخرى بأنواع البديع والبلاغة .
بينما الحق ليس بحاجة إلى كل ذلك ، وإن كان الأدب الرفيع والحلة القشيبة ، والبلاغة النافذة يزيدها جمالا وبهاء ، إلا أن قدرته ليست في حلته إنما في محتواه ، بينما قدرة الثقافة الجاهلية في التعبير عنها ، ولذلك سمي شعرا ، إشارة إلى أنه لولا وزنه وقافيته والتشبيهات الخيالية فيه لا يعتني به أحد ، حتى قالوا : الشعر أعذبه أكذبه .
وهكذا جاء في الحديث في تفسير قوله تعالى في سورة الشعراء : وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمْ الْغَاوُونَ قَالَ أَبُو عَبْدِ الله عليه السلام :
( نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ غَيَّرُوا دِينَ الله ( وَتَرَكُوا مَا ) أَمَرَ اللهُ ولَكِنْ هَلْ رَأَيْتُمْ شَاعِراً قَطُّ تَبِعَهُ أَحَدٌ إِنَّمَا عَنَى بِهِمُ الَّذِينَ وَضَعُوا دِيناً بِآرَائِهِمْ فَتَبِعَهُمُ النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ )
« 1 » . وفي رواية مأثورة عن أبي جعفر الباقر عليه السلام في تفسير ذات الآية قال :
( هَلْ رَأَيْتَ شَاعِراً يَتَّبِعُهُ أَحَدٌ إِنَّمَا هُمْ قَوْمٌ تَفَقَّهُوا لِغَيْرِ الدِّينِ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا )
« 2 » .
هذا عن الثقافة الجاهلية أما عن رسالات الله فإنها تتميز بما يلي :
أولًا : أنها تذكرة ، فهي إثارة للعقل ، وإيقاظ للضمير ، وتحريض للفكر ، وأبلغ حجة لصدقها أنها تتوافق وعقل الإنسان وما أودعه الله فيه من فطرة التوحيد .
ثانياً : أنها بلاغ مبين ، فليست مجرد كلمات مزوقة لكنها جوفاء ، إنما هي بيان للحقائق بوضوح شديد .
ثالثاً : إنها تنذر بالأخطار التي تهدد الفرد والمجتمع ، فهي تفجر الطاقة بدل أن تخدرها ، وتنتقد الواقع الفاسد بدل أن تبرره ، وتواجه الانحراف والضلال ، وتتحدى الظلم والطغيان .
والرسول الذي حمل مشعل الهداية ، وتحدى قوى الكفر والضلال ، وأعلن منذ البدء أنه النذير المبين ، والذي جانب ومنذ صباه اللهو والعبث ، واتسمت حياته الرسالية بأقصى درجات الصراع ضد الباطل ، والاجتهاد في إبلاغ الدعوة ، والجهاد والقتال في سبيل إعلاء
هامش
( 1 ) وسائل الشيعة : ج 27 ص 132 ، تفسير القمي : ج 2 ص 125 .
( 2 ) بحار الأنوار : ج 2 ، ص 108 .