ثم يأتيه الوحي عبر رسل الله ورسالاته لتتم الحجة عليه ، فإذا بنداء الرحمن في قلبه يلتقي بندائه على لسان النبي وكتاب الله الذي أرسل به .
وهكذا يمتلك كل شخص مقياسين لمعرفة الشيطان . الأول : ما بقلبه من العقل ، والثاني : ما أوحى به الرسل .
إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ يسعى الشيطان لخداع البشر بأنه صديقه ، وأن ما يشير إليه من الضلالة محض نصيحة . وقد يسترسل البعض معه بحجة أنهم خدعوا به ، ولكن ربنا يقول : إنه عدو واضح ، ولا عذر لأحد في اتباع عدوه ، إلا إذا خدع نفسه ، وسر عداوته أنه يأمر بما يعلم الإنسان أنه مضر .
أو لا يأمر بالإسراف والتبذير ، وبالفحشاء والمنكر ، وبالاعتداء والظلم والبغي ، مما يستقبحه البشر ؟ ! لا أقل عندما يصدر من الآخرين ، ومما يرفض أي عاقل نسبته إليه .
كلنا نعرف أن مآسي البشرية آتية من الظلم والعدوان والاستئثار والبخل والكسل والاختلاف ، ونحن جميعا نعرف أن ذلك هو من وحي الشيطان ، أفلا نتخذه عدوا ؟ ! .
وعبادة الشيطان لا تعني السجود له ، إنما طاعته بوعي ، والتسليم التام لإغوائه . وتتجسد عبادة الشيطان في طاعة أوليائه من سلاطين الجور ، وطغاة السلطة والثروة .
ويقول الفخر الرازي في قوله : أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ معناه : ( لا تطيعوه ، بدليل أن المنهي عنه ليس هو السجود له فحسب بل الانقياد لأمره والطاعة له ، فالطاعة عبادة . لا يقال : فنكون نحن مأمورين بعبادة الأمراء حيث أمرنا بطاعتهم في قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ [ النساء : 59 ] لأنا نقول : طاعتهم إذا كانت بأمر الله لا تكون إلا عبادة لله وطاعة له ) . وأضاف : ( وإنما عبادة الأمراء هو طاعتهم فيما لم يأذن الله فيه ) « 1 » .
[ 61 ] رفض عبادة الشيطان تهيؤ لعبادة الله ، بل مجرد الكفر بالأنداد عبادة الله ، كما إن من ضيع عبادة الرحمن وقع في شرك الشيطان ، لذلك قارنت الآيات بين رفض هذه والالتزام بتلك ، كقوله سبحانه : فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى [ البقرة : 256 ] .
وهنا يقول ربنا : وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ واستقامة الصراط نابعة من أن
هامش
( 1 ) التفسير الكبير للفخر الرازي : ج 26 ص 96 .