تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 394

مساهمون:

ص٣٩٤
الله الذي رسمه لنا تعالى عن الميول التي تضلل البشر يمناً ويسارا ، وعن الجهل الذي يتطرف صاحبه ناحية الإفراط أو التفريط . ومن أبرز مظاهر الاستقامة في الصراط أن المؤمنين مجدون على السير فيه ، متحدين ضغوط الهوى والشهوة والسلطة والثروة والتزييف والتلبيس بتوفيق ربهم . ولعل الفرق بين القويم والمستقيم يكمن في أن المستقيم يوحي بأن صاحبه يستقيم عليه متحديا عوامل الانحراف . وعبادة الله تعني طاعته ، وطاعته لا تتجزأ ، فمن صلى دون أن يؤتي الزكاة ، أو خضع للإسلام في شؤونه الشخصية دون نظامه الاقتصادي والسياسي ، فإنه لا يعبد الله ، بل إنه يعبد الشيطان . إن جذر الشرك بالله هو الاستسلام أمام الضغوط ، وإنما المؤمن الذي يتحدى الضغط ، أما من جعل القرآن عضين فقال : نؤمن ببعض ونكفر ببعض ، وأراد أن يؤمن فقط بما يتفق ومصالحه ، وأما عندما تعارض مصالحه يذهب معها فإنه السلوك الشركي الذي يحاربه القرآن . فالقرآن لا يواجه إلا قليلا أولئك الذين يكفرون بالدين رأسا ، وإنما يحادد في الأكثر أولئك الذين يشركون بالله ، فيخضعون لشهواتهم وسلاطينهم والمترفين ، ويخدعون أنفسهم بعبادة الله فيما لا تتنافى ومصالحهم وشهواتهم وكبرائهم . [ 62 ] عندما يتعظ المرء بتجارب غيره يهتدي إلى الطريق ، وإنما ينتفع بها من يعقلها ويجعلها وسيلة لإثارة دفائن عقله ، وكوامن فطرته . وإن من أظهر الحقائق التي يعقلها من شاء الهدى هي : أن بعض الناس في ضلال ، فأنى ذهبت ، وأي شخص سألت ، قال لك : إن بعض الناس على خطأ ، ولكن لا تقودهم هذه الحقيقة إلى معرفة حقيقتين أخريين هما : أولًا : إنه كما أضل الشيطان كثيرا من الناس كذلك يضلنا فلنحذر منه . ثانياً : ماذا كانت عاقبة الضالين . أوليس الهلاك ؟ ! فلماذا لا نعتبر بذلك ؟ ! . وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيراً فإذا كان الشيطان قد نجح في إضلال خلق كثير منكم فلماذا لا يحذر منه ؟ ! .
من هدى القرآن — صفحة 394 | السيد محمد تقي المدرسي