بالسمع والإحساس ؟ ! فإذا فقدها جميعا فهو أضعف من أحقر حشرة .
[ 68 ] إذا فقد الشخص بصره لم يهتد إلى طريقه ، وإذا فقد سائر الجوارح لا يستطيع مضيا ولا عودة ، ولكنه يبقى يمتلك العقل ، بيد أن العقل بدوره موهبة إلهية إن شاء وأراد الله سلبها ، وفعلا إنه يسلبها عندما يبلغ الإنسان أرذل العمر فلا يعلم بعد علم شيئا .
وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ فبدل أن ينمو ويتكامل باستمرار تراه يبلغ قمة رشده البدني والعقلي في حدود الأربعين ، ولا يلبث أن يسير القهقرى ، لأن خلايا المخ التي تنتشر في أطراف الجسد في صورة أعصاب ، وتقوم بالدور الرئيسي في بناء الجسم ، إنها تستهلك مع الزمن ولا تعوض أبدا ، ويقول العلم : إذا بلغ المرء الثمانين من عمره فقد نصف خلايا مخه .
والتنكيس الذي يصيب البشر يشمل الجوانب المادية ، كطريقة مشيه ووقوفه وفقد أسنانه وضعف قواه ، كما يطال الجوانب المعنوية ، فهو يفقد قدراته العلمية وخصائصه النفسية فتراه يرجع طفلا يحرص على ما يخصه ، ويعض بنواجذه على حياة ، ويضحى خائفا يلاحقه هاجس الزائر المخيف الذي قد يدخل عليه في أية لحظة وبلا استئذان ألا وهو الموت .
أَفَلا يَعْقِلُونَ ليذعنوا لله الذي أسبغ عليهم تلك النعم الآن ، ويسلبها منهم عند الشيخوخة .
[ 69 ] والله الذي أعطانا جوارح لنهتدي بها في حياتنا من سمع وبصر وعقل هو الذي أنزل الكتاب ليهدينا به إلى الصراط المستقيم .
ونحن بحاجة إليه ، ولا يمكننا الاستغناء عنه بالثقافات الموجودة لدينا التي هي أقرب إلى الشعر منه إلى بيان الحقائق .
بينما القرآن جاء ذكرا وبيانا وإنذارا وتبشيرا .
وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ ذلك أن الشعر يتميز بالخصائص التالية :
أولًا : يعكس ثقافة المجتمع السائدة .
ثانياً : يكرس الواقع الفاسد بتبريره وتلميع رموزه وستر أخطائه .
ثالثاً : يخدر الإنسان ويرضيه بوضعه بإثارة مشاعره الجاهلية من الفخر والعصبية والاعتزاز بالإثم .
من هدى القرآن — صفحة 397
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٩٧