لا يمكن رده أو تأجيله ، فإنما هو صيحة واحدة لا ثانية لها ، لأنها القاضية ، وهي تعمهم بالأخذ بغتة في وقت تراه يخوضون في جدلياتهم التي لا تغني شيئا .
والإنسان يتمنى - عادة - لو يغير الحقائق بالجدل ، زاعما أنه لو نفى شيئا فإنه ينتفي أو أنه لو أسكت صاحب الحق فإن الحق يزول ، كلا . . فحتى في حالة جدالهم وخصامهم تأخذهم الصيحة .
[ 50 ] والمباغتة سريعة إلى درجة أنها تمنعهم من أن يخلفوا وصيتهم ، بالرغم من أنهم لا يعودون إلى أهلهم فهم أحوج ما يكونون إلى التوصية فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً بأي شكل كانت التوصية قولا أو إشارة ، وإذ لا يستطيعون حتى التوصية وهي أسهل الأشياء ، وأشدها ضرورة ، فهم لا يستطيعون - بالطبع - إصلاح ما أفسدوه من واقعهم !
وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ فهم ليسوا على سفر سرعان ما يعودون منه حتى لا يحتاجوا إلى وصية .
ويبدو أن الآيات تصور مشهد العذاب الدنيوي المتمثل في الهلاك بالصيحة ، مثل ما أصاب الذين كذبوا بالمرسلين الثلاثة في القصة الماضية .
وقال البعض : ( إنها تصور قيام الساعة . . والساعة أدهى وأمر ) ، وجاء في الحديث عن الرسول صلى الله عليه وآله :
( تَقُومُ السَاعَةُ وَالرَجُلانِ قَدْ نَشَرَا ثَوْبَهُما يَتبايَعانِه فَما يَطْويانِه حَتَّى تَقُومَ وَالرَجُلُ يَرْفَعُ أَكْلَتهُ إِلى فِيهِ فَما تَصِلُ إِلى فِيهِ حَتَّى تَقومَ وَالرَجُلُ يَليطُ حَوْضَهُ « 1 » لِيسْقِي ماشِيتَه فَما يَسْقِيها حَتَّى تَقُوم )
« 2 » .
ولعل الحديث القرآني يشمل الجزاء بصفة عامة في الدنيا بعذاب الاستئصال أو في الآخرة عند قيام الساعة .
[ 51 ] ويمكث الكفار في قبورهم ما شاء الله حتى ينفخ في الصور الملك الكريم إسرافيل ، وبمجرد النفخ تراهم يسرعون إلى ربهم حيث وضع الميزان العادل .
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنْ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ ونجد في بعض الآيات أنهم عند النفخ قيام ينظرون . فهم قيام في لحظة ، ولكن سرعان ما يتحركون حيث يريد الله .
وذكر الراغب في مفرداته إن : ( النسل في الأصل الانفصال عن الشيء ، . . . وإنما سمي
هامش
( 1 ) يسوي حوضه بالطين حتى لا يتسرب منه الماء .
( 2 ) بحار الأنوار : ج 6 ، ص 319 .