تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 388

مساهمون:

ص٣٨٨
ولد الإنسان نسلا لأنه ينفصل عنه ) « 1 » . ولعلنا نستوحي من هذا أن القبر يضحى كرحم الأم ينسل منه أبناء آدم نسلا . [ 52 ] وهنالك يعترف هذا الإنسان الخصيم الذي استهزأ بكل المرسلين ، وأعرض عن كل الآيات ، وينادي بالويل لنفسه ، ويزعم أنه كان نائما . ويتساءل : أية قدرة استطاعت بعثه من محل نومه بعد طول الرقاد ؟ ! ) قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا وهنالك يأتيه النداء من الملائكة : هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ إنه الله الذي أنجز وعده ، ليرحم عباده المؤمنين ، إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً [ مريم : 61 ] . ويمكن أن يكون القائل هم الكفار ، فيكون اعترافا منهم بوعد الله ، ويمكن ألا يكون لهذه الكلمة أساسا قائل خاص بل يكون مقتضى المقام هذا المقال ، سواء وجد قائل أم لم يوجد . وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ الذين أنبؤوا عن الرحمن وعده . إن سورة يس قلب القرآن ، وهو يعبر عن ضمير الخليقة ، الذي يتمثل في رحمة الله ، ولعله لذلك تتكرر كلمة الرَّحْمَنُ فيها . [ 53 ] بصيحة أهلك القوم جميعا ، وبصيحة ابتعثوا جميعا ، وبصيحة يحضرون في مقام الحساب عند ربهم إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ ، ويبدو أن التعبير هنا يوحي بما يوحيه قوله - سبحانه - في خاتم السورة : إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ، ولكن هذا التعبير جاء في مقام الشدة فناسب الحديث الصيحة ، وهي تدل على سرعة نفاذ أمره ، وأن كل شيء مستجيب لإرادته . [ 54 ] هنالك يتجلى العدل الإلهي الذي قامت به الخليقة جميعا ، فلا يظلم أحد شيئا ، بل حتى جزاؤهم إنما هو ذات أعمالهم التي تتجسد ، فإن كانت صالحة فهي جنات الخلد ، وإن كانت الأخرى فعذاب شديد . فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً ، والله ليس بظلام للعبيد ، لا في ذلك اليوم ولا في أي يوم ، بلى ؛ إنه أعطى الحرية المحدودة للناس في الدنيا ليبتليهم بها فظلموا أنفسهم ، ولولا أنه جعل دار البقاء ( الآخرة ) وجعل فيها جزاء وافيا للظالم والمظلوم لما سمح لأحد بظلم أحد حتى في الدنيا ، لأنه ليس بظلام للعبيد . وأساسا إننا نعرف وجود الدار الآخرة من خلال معرفتنا بأمرين : أولًا : أن الله عزيز رحيم فلا يمكن أن يظلم بحضرته أحد من عباده دون أن يغيثه .
هامش
( 1 ) مفردات غريب القرآن : ص 419 .