تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 386

مساهمون:

ص٣٨٦
خلقوا فقراء . وترك السياق لقارئ القرآن الحكيم الحُكمَ على هذه العقلية ، ولا ريب أنه يحكم عليها بالضلال المبين . ولذلك احتار المفسرون في معرفة قائل هذه الكلمة ، فمنهم من قال : إنهم الكفار ، ومنهم من قال : بل هم المؤمنون قالوها للكفار ، وقال بعضهم : بل الله قالها للكفار . والظاهر أنها كلمة الكفار للمؤمنين ، ولكنها ترد عليهم بطبعها ، فبمجرد أن يقول المجنون للذي يأمره بالحكمة : إنك مجنون ، نعرف أن المتكلم بنفسه مجنون . أليس كذلك ؟ . هكذا نعرف ضلالة الكفار بمجرد أنهم يقولون لمن يأمرهم بالإنفاق : إنك في ضلال مبين ، كلا . . إنهم هم في ضلال مبين ! . [ 48 ] من التبريرات النفسية التي يتشبث بها الكفار هو استبعاد الجزاء زمانيا ، ونجد في آيات الذكر رد هذه الشبهة بكلمات بليغة نافذة ، فالجزاء ليس لعبا حتى يستخف به ، إنه الساعة التي ثقلت في السماوات والأرض ، فماذا ينتظرون ؟ وبم يستهزؤون ؟ . وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ وبالرغم من أن كلمة مَتَى أصلًا للاستفهام ، إلا إنها هنا جاءت للاستنكار بدليل قولهم : إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ فهم كانوا يتوقعون جزاءً عاجلا بعد أن أنذروا بالعذاب ، وأمروا باتقاء ما بين أيديهم من عذاب الدنيا ، وما خلفهم من عذاب الآخرة . [ 49 ] إن النفس البشرية لا ترى بطبعها إلا ما أمامها من الحقائق المشهودة ، ولا تتأثر بالمستقبل البعيد حتى ولو كان من الحقائق المعلومة يقينا ، وبضغط من الشهوات العاجلة ، وبوساوس إبليس تعرض النفس عن الغيب للشهود ، وعن المستقبل للحاضر ؛ ولا بد من تصوير الغيب ، وإبراز مشاهد من المستقبل حتى تهتم النفس بها . ولعل منهج القرآن في تصوير مشاهد البعث والجزاء باستثارة قوة الظن والخيال يتم لهذه الغاية . فهو ليس مجرد أسلوب في البيان ، بل هو منهج علمي لإصلاح النفس ، وإيجاد التوازن بين قوة الشهود وحقائق الغيب . وإنما المؤمنون الذين يستشرفون المستقبل ، وينظرون إلى الغيب بقوة الظن ، ويستثيرون كوامن الخوف والرجاء بالتذكرة الذاتية . والسياق هنا يصور جانبا من مشاهد الهلاك ثم النشور والجنة والنار . مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ إنهم يستعجلون العذاب ، ويقولون : متى هذا الوعد ؟ لكنهم كأنهم لا يشعرون بأنهم ينتظرون بذلك أمرا عظيما ، إذا جاء