ثانياً : أنه قد يدع الظالم يوغل في ظلمه في الدنيا فنعرف أن هناك دارا أخرى يجازي فيها الظالم وينتصر منه للمظلوم .
وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ فإن كان هنالك جزاء سيئ فهو أعمالكم التي تجسدت . أرأيت الذي يشرب ماءً قذرا فيمرض ، هل ظلمه الطبيب الذي نهاه وحذره من العاقبة ، أم إن مرضه هو ذات الماء القذر الذي شربه ؟ .
[ 55 ] أما أصحاب الجنة الذين فازوا بصحبة الجنة وامتلاكها ووراثتها في الدنيا بأعمالهم ، فهم في شغل عما يجري في الطرف الآخر عند أهل النار فلا يحزنهم شيء ولا يفزعهم .
إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ والشغل بذاته نعمة لأنه ينشط الجسم ، وينفس عن النفس ، إلا إن الاشتغال بما يفكه أعظم نعمة وأشد راحة .
[ 56 ] بماذا يشتغل هؤلاء في الجنة ، وكيف يقضون ساعاتهم التي لا تنتهي ، ولماذا لا يملون ؟ .
يبدو أن أعظم اللذات البشرية الاشتغال بالأزواج المطهرة ، لأنه إنس معنوي ، وسكن روحي ، ولذة جسدية هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ فهم في ظلال يحسون بالسكن ، وهم على الأرائك يستريحون بلا تعب ، وهم متكئون لأنه لا يشغلهم شيء يتحفزون لأدائه ، فهم في كامل الراحة ، وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله قوله ( عن صفة أهل الجنة ) :
( والمُؤْمِنُ سَاعَةً مَعَ الحَوْرَاءِ وسَاعَةً مَعَ الآدَمِيَّةِ وسَاعَةً يَخْلُو بِنَفْسِهِ عَلَى الأَرَائِكِ مُتَّكِئاً يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ )
« 1 » .
[ 57 ] وبعد لذة الإنس مع الأزواج في مقعد مريح تأتي لذة الطعام ، وأفضل الطعام ما يتفكه به الفرد بعد قضاء حاجته الضرورية من الطعام ، لأن أصحاب الجنة لا يعدمون الطعام حتى يحسوا بالجوع ويتألموا به حينا من الوقت مثلما البشر في الدنيا .
لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ فكل ما تشتهيه أنفسهم يجدونه أمامهم .
[ 58 ] وأعظم النعم جميعا نعمة الحضور عند رب الرحمة الحنان الكريم . فأي نعمة أسمى من الجلوس عند المليك المقتدر ، وتلقي السلام القولي منه ، بالإضافة إلى حالة السلام التي يعيشون فيها ، ذلك أن حالة الأمن والسكينة والسلام الفعلي هي من نعم الجسم غالبا بينما السلام القولي نعمة للروح أيضا سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ .
هامش
( 1 ) الكافي : ج 8 ، ص 99 .