الأرض تم بأمر الله ، وأن خصوبة الأرض كانت بأمر الله ، وحتى توفر المناخ المناسب لنمو الصناعة كان بإذن الله ؟ .
ولو تدبر كل غني في الأسباب الخفية لنمو ثروته لرأى يد الغيب وراءها ، فأولى بهم الإنفاق مما رزقهم الله ، ما دام الله يأمر به ، وهو الذي استخلفهم في ما رزقهم ليبتليهم به .
ألا يرون أن كل شيء في عالم الإنسان يوحي بأنه جاء لهذه الدنيا لكي يمتحن ؟ . فقد جعل الله امتحان الفقير بالغني ليرى هل يصبر ، وامتحان الغني بالفقير ليعلم من ينفق ومن يبخل وافتتن العالم بالجاهل وأمره بأن يعلمه كما ابتلى الجاهل بالعالم وأمره بأن يتعلم منه ، وجعل الحكام فتنة للناس وافتتن الناس بحكامهم وقال عز من قائل : وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً [ الفرقان : 20 ] .
ولكن الكفار زعموا أن غناهم وعدم الفقراء أمر حتمي من عند الله .
قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا وهكذا خاطب الكفار الذين آمنوا لأنهم الذين أمروهم بالإنفاق ، ولأنهم المؤمنون بالله ، فكان الأحرى بهم - حسب زعمهم - أن يؤمنوا بالقدر ، فقالوا : أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ ولم يقولوا أننفق ، لأنهم منعوا عن الفقراء حتى الطعام الذي هو حق كل حي ، فكيف بالإنسان الكريم عند ربه .
انظر إلى مدى إمعانهم في البخل ، والإعراض عن التقوى ؟ . بلى ، الله يطعم من يشاء من رزقه الواسع ، ولكنه جعل رزق هؤلاء الفقراء على أيديكم ، لينظر كيف تعملون ، وهو القائل - حسب الحديث القدسي - :
( المَالُ مَالِي وَالفُقراءُ عِيالِي وَالأَغْنِياءُ وُكَلائِي فَمَنْ بَخِلَ بِمَالِي عَلَى عِيالِي أُدْخِلهُ النارَ وَلا أُبَالِي )
« 1 » .
ثم إن ربنا سبحانه أكرم بني آدم فجعلهم أحرارا في الدنيا ، ووفر في الأرض ما يزيد على رزقهم ، إلا إن كسل البعض عن السعي بأفكار جاهلية ، واستئثار البعض برزق الآخرين تحت مظلة من القوانين الجائرة ، هما السببان الرئيسيان لانتشار الفقر . ومن أساليب محاربة الفقر نبذ الثقافة الجاهلية ، وإصلاح الأنظمة الجائرة . والإنفاق واحد من أهم السبل لمحاربة الفقر لأنه علاج فوري ، ووسيلة مستقبلية أيضا لتوزيع الثروة وتدويرها وتحريك الطاقات بها .
ولكن الكفار جمدوا الثروة ، وزعموا أنها حقهم الإلهي بل قالوا لمن أمرهم بالإنفاق : إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ لأنكم تريدون تغيير سنن الله ، وجعل الفقراء أغنياء ، وهم قد
هامش
( 1 ) جامع الأخبار : ص 80 .