يكتشف مكونات الذرة وهي النواة والإلكترون والبروتون ، ثم يجد أن كل عناصر الحياة المادية ومكوناتها ، تعتمد على نفس النظام وهو الذرة ، مع اختلاف التركيب ، لا يهتدي من خلال ذلك إلى حقيقة التوحيد ، وأن اليد التي خلقت الذرة هي التي خلقت المجرة .
وفكرة أخيرة نستوحيها من الآية الكريمة هي : أننا عندما نتعمق في فهمنا للآية نجد أن القرآن يربط بين فهم الحياة وتزكية النفس ، فكأن الذين لا يتصفون بالإنابة إلى ربهم لا يفهمون الحياة فهما حقيقيا .
[ 10 ] وكما أن لأسماء الله تجليات في الطبيعة ، فإن لها تجليات أخرى في تاريخ البشر ، ولعل هذه هي علاقة السياق بين الحديث عن الطبيعة وبيان جانب من قصة داود وسليمان عليهما السلام .
وهناك صلة أخرى بين الموضوعين في السياق هي : أن الآية السابقة تنذر الكفار بينما تبشر هذه الآية المؤمنين من خلال قصة داود الذي آتاه ربنا فضلا حين أناب إليه .
وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا وهذا الفضل مظهر لاسم الحمد الإلهي ، حيث خص الله نبيه داود بأمور من دون الآخرين ، وكانت هذه الأمور من أركان وخصائص الحضارة التي بناها عليه السلام .
وفي الآيات ما يلقي الضوء على بعض معالم العمران في عهد النبيين داوود وسليمان عليهما السلام ؛ فاستثمار وتسخير الطبيعة ، والمعرفة والقوة البشرية اللازمين لذلك ، والقوة التي توفر الأمن والمنعة ، وشبكة الاتصال والتواصل . وفي سور أخرى بينت معالم الحكم بالحق وهنا أوردته في إطار الشكر .
قال تعالى : يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ فكلاهما كان خاضعا لداود ، وسخر له وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ وكان لتسخير الحديد هدف يشير له القرآن في الآية اللاحقة :
[ 11 ] أَنْ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ لقد أمر الله داود عليه السلام بصناعة الدروع السابغة ( أي الواسعة ) حتى يلبسها المقاتل من غير تعب ، كما أمره بالإتقان في حياكتها ، حتى تكون حلقاتها منتظمة ومتساوية تؤدي كل واحدة دورها المحدد ، ولعل الآية تشير إلى ضرورة الإتقان في العمل ، ولا سيما في الصناعة ، ولكن الصناعة المتقنة كأي تقدم حضاري أخر يجب أن تكون بهدف حكيم هو العمل الصالح : وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ .
ونستوحي من الآية أن الله الذي سخر لداود كل هذه الأمور ، لم يرتض منه أن تكون بديلا عن السعي والعمل الشخصي ، لأن قيمة الإنسان تكمن في سعيه وعمله .
من هدى القرآن — صفحة 266
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٦٦