فقد بلغ داود من الملك والسيطرة مبلغا عظيما ، حتى شملت هيمنته الطبيعة فكانت الجبال والطيور تسبح معه ، والحديد طوع يده يصوغه كيف يشاء ، أما سليمان فقد ورث ملك والده ، وزاده الله عليه ملكا ، وهذه القصص والأمثال تفتح أمام البشر آفاقا ، وتدعوهم إلى السير فيها والوصول إلى أبعادها ، فقصة داود توحي بإمكانية تسخير الطير والحديد لخدمة الحضارة الإنسانية ، وقصة سليمان تشير إلى إمكانية الاستفادة من الريح .
بينات من الآيات :
[ 7 ] وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا وهم يستهزئون ، ويحاولون الانتقاص من الرسول والرسالة : هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ أي تفرقت أعضاؤكم ، وتمزقت بددا . إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ .
[ 8 ] ثم يتساءلون بحيرتهم : أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً هل ما يدعيه افتراء على الله ؟ ! .
إنهم لو عادوا إلى وجدانهم لعرفوا أن الرسول لا يمكن أن يفتري على ربه الكذب ، وهو الصادق الأمين ، وقد بين بوضوح العقاب الذي ينتظر الذين يفترون على الله الكذب ، ثم إنه أول المصدقين بالبعث ، والعاملين بما يستوجبه هذا التصديق . ألا يرون كيف يكاد يشقي نفسه بالعبادة حتى نزلت عليه الآية : طه ( 1 ) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى [ طه : 1 - 2 ] .
لذلك تراهم أضربوا بالترديد عن الافتراء ، إلا إنهم بكفرهم قالوا فيه قولا كبيرا ، لأنهم كانوا من المعاجزين الذين يعملون بجهدهم على مقاومة القرآن ، قالوا :
أَمْ بِهِ جِنَّةٌ وهي الجنون . والترديد بين الافتراء والجنون دون الجزم لتشويش الرؤية ، إذ أن النبي معروف بالصدق والحكمة . فكأنما جعلوا تفسير الإخبار بالمعاد لا يخرج عنهما دون تعيين .
ويجيب القرآن على هذه التساؤلات بأن المشكلة ليست في الحقائق التي يبينها الرسول ، ولا في أسلوبه ، حتى يتهم بالكذب تارة ، وبالجنون أخرى ، إنما المشكلة في الكفار أنفسهم ، ومشكلتهم هي ضيق الأفق فلا يستوعبون النشور بعد الموت ، والسبب كفرهم وعدم اتباعهم المنهج السليم الذي يقودهم إلى الحقائق بَلْ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ قالوا : ( إن العذاب هنا يقابل افتراءهم على رسولهم بالكذب ، بينما الضلال يقابل نسبة الجنون عليه ) « 1 » .
هامش
( 1 ) التفسير الكبير للرازي : ج 25 ، ص 244 نقل بالمعنى .