مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ ( 12 ) يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ « 1 » وَتَمَاثِيلَ « 2 » وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ « 3 » وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ « 4 » اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ ( 13 ) .
هدى من الآيات :
استلهاما من اسمي الحميد العزيز لربنا عز وجل ، وانطلاقا من الحديث عن البعث والنشور ، وبيانا لبعض الشبهات التي يبثها المشركون إنكارا للمعاد يحدثنا هذا الدرس - من بدايته - عن استنكارهم الظاهر لحقيقة النشور بعد الموت والتمزق .
إن الكثير من الذين ينكرون الحقائق إنما ينكرونها لأنها أكبر من أفقهم وتفكيرهم الضيقين ، وهذه من مشاكل البشر المعقدة ، إنهم يكفرون بكل ما لم يصل إليه علمهم وعقلهم ، ولكن الله يضرب لهؤلاء فكرة البعث فيقول : صحيح أن ذلك من المستحيلات بالقياس إلى القدرة البشرية ، ولكنه ممكن عند الله الذي يجمع الزمان والأعضاء ليعيد الخلق من جديد . وحتى يكون هذا الحديث مقبولا من الناحية المنطقية والفطرية ، يدعو ربنا هؤلاء إلى التفكر في الآيات من حولهم ، لأنها من مظاهر القدرة لربنا الحميد .
ولعل لهذا التأكيد المتكرر في القرآن على ضرورة التفكر في آيات الله فائدة مهمة هي : إرساء قاعدة صلبة للبحث العلمي الرصين عند الإنسان الذي اعتاد - ومن أول يوم عملت حواسه - على هذه الآيات ، وألفها حتى أصبحت لا تثير انتباهه ، لكنه لو نظر إليها وكأنها جديدة وبقلب متفتح ، وعقل منير ، لازداد علما ، وتوسع أفقه ، مما يجعله أقدر على استيعاب الحقائق وتفهمها .
ثم يضرب القرآن لنا مثلا من حياة داود وابنه سليمان عليهما السلام حيث إن قصصهما تجليات لاسمي العزيز الحميد .
هامش
( 1 ) محاريب : جمع محراب ، والمحراب هو محل العبادة والصلاة ، ولعل المراد بها المساجد ، وإنما سمي محراباً لأنه محل المحاربة مع الشيطان والنفس .
( 2 ) تماثيل : جمع تمثال ، وهو الشيء المصنوع من معدن أو طين أو حجر أو خشب ، كتماثيل القصور والأشجار والأنهار وغيرها ، وقال صاحب المجمع أنها تماثيل الحيوانات لأنها لم تكن محظورة في ذلك الوقت .
( 3 ) جفان كالجواب : الجفان هي القصاع وظروف الأكل ، والجواب جمع جابية وهي الحوض العظيم يجبى فيه الماء .
( 4 ) قدور راسيات : جمع قدر وهو ما يطبخ فيه الطعام ، وراسيات جمع راسية بمعنى الثابتة في الأرض ، الكبير الذي يراد دوام الطبخ فيه يبنى في الأرض حتى لا يزول ولا يتحرك .