ويبدو لي أن السياق يؤكد على أن السبب في كفر هؤلاء بالرسول يكمن في كفرهم بالآخرة الذي يجعلهم يواجهون الحقائق دائما فيعيشون العذاب . أرأيت كيف يعاني من يعارض حكومة قاهرة ، كيف يحيط به العذاب ، كذلك الذين لا يؤمنون بالآخرة يضطرون مخالفة حقائق الخليقة .
ومن جهة ثانية إنهم يعيشون في حالة من الضلال البعيد جدا عن الهدى ، وآية ذلك أنهم ينسبون من يهديهم إلى الحقائق وإلى سبيل سعادتهم إلى الجنون ، فهل تترقب لمثل هؤلاء هدى ؟
ونستوحي من الآية أنه لا يضل الإنسان عن أهدافه وعن الحقائق ، إلا عندما يكون الطريق الذي يختاره خاطئا ، وهؤلاء حين كفروا بالبعث وقعوا في الانحراف الكبير .
[ 9 ] وحتى يتسع أفقهم ، ويهتدوا لصحة الحقائق ، وما يقوله الرسول ، يدعوهم القرآن للنظر في آيات الكون العظيمة والتفكر فيها ، لأنها علامات وشواهد على قدرة الله . كما إنه ينذرهم بأن استرسالهم في الضلالة قد يعرضهم لعذاب شامل من نوع عذاب القرون الغابرة ، كأن يخسف الله بهم الأرض أو يسقط عليهم من السماء شهبا .
أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمْ الأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنْ السَّمَاءِ ويبين لنا ربنا حقيقة هامة هي : إن الكون المحيط بنا قائم بالله ، وتهيمن عليه وتدبر شؤونه قدرته القاهرة ، كما تشير الآية إلى بعض الحقائق العلمية ، فقد جعل الله الأرض في موقع معين ، وضمن نظام دقيق بحيث تحافظ على اتزانها ، وتمكن الخلق من العيش عليها ، وأنشأ حجابا واقيا بين الأرض والسماء ، هو الغلاف الجوي الذي يمنع سقوط النيازك والشهب من السماء على الأرض .
ولكن من الذي يكشف هذا النظام المحكم وما وراءه من عظمة الرب ؟ .
إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ إن الآيات وحدها لا تهدي الإنسان إلى الحقيقة كلها ، فقد يؤمن بها ويتبعها الفرد فتأخذ بيده إلى الهدف ، وقد يراها ولكنه يكفر بخلفياتها وما تشير إليه فلا تنفعه ، والقرآن يقول بأن الآيات المبثوثة في الكون تهدي إلى الحقيقة ، ولكن على شرط أن يكون المتفكر فيها عبدا مسلما لله ، فالعبودية والإنابة إذن شرطان للاستفادة من الآيات .
إن من مشاكل الإنسان أنه حينما يسير في ركاب العلم ، وتنكشف له الحقائق ، وتتضح أمامه الألغاز المهمة في الحياة ، فإنه لا ينظر إلى خلفياتها إنما ينظر إليها بذاتها ، فهو حينما
من هدى القرآن — صفحة 265
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٦٥