الطرف الثاني ، وهذه الكلمة توضح خطة الإعلام عند الكفار القائمة فقط على أساس إسكات الخصم ، وطمس معالم الحق أمام عينيه .
أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ الرجز - كما قالوا - أشد العذاب ، ولعله يشير إلى ما يقابل الكريم في الآية السابقة ، وعلى هذا يكون معناه عذابا أليما فيه الذل والهوان ، أوليسوا قد تكبروا ، فهم يستحقون الصغار والرجز .
[ 6 ] ومن الناس من يعرج به اليقين درجة يرى الحق واضحا لا ريب فيه ، أولئك هم أولو العلم وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ والعلم - هنا - ليس مجرد المعلومات التي يختزنها الذهن البشري ، ولا الألفاظ المتشابهة التي تتزاحم في ذاكرة المعاجزين من أدعياء العلم ، وإنما هو ذلك النور الإلهي الذي يشرق على القلب فيجد الحقائق وجدانا ، ويعيها وعي دراية لا وعي رواية ، حتى يقول أمثلهم هدى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام :
( لَوْ كُشِفَ الغِطَاءُ مَا ازْدَدْتُ يَقِينا )
« 1 » .
الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ فهم يعلمون الحق ، ويرون ما أنزل إلى الرسول ، فيعرفون أن ذلك الحق التام الذي لا يشوبه هوى ، ولا يخالطه باطل أو جهل هو هذا الوحي المنزل .
وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ والذي يؤتى العلم هو الذي يحيط به ، فيستطيع فهم القرآن ، والتمييز بين الحق والباطل ، بين الدساتير والمناهج الحديثة المضلة وبين الآيات القرآنية ، كما ميز سحرة فرعون بين حبالهم وعصيهم التي يخيل للناس أنها تسعى وبين الآية الحقيقية التي جاء بها نبي الله موسى عليه السلام .
ولعل اختيار اسمي العزيز الحميد ، من بين أسماء الله الحسنى ، جاء انسجاما مع الجو العام للسورة ، التي هي تجليات اسم الحمد ، ولأن الإنسان يتطلع إلى العزة وحميد الخصال ، فلما رأى أولو العلم الوحي عرفوا أنه يحقق ذلك الطموح .
ويبدو أن الآيات الثلاث تبين ثلاثة نماذج من الناس : المسلمون أولًا ثم الكفار ثم الصديقون .
هامش
( 1 ) غرر الحكم : حكمة 2086 .