الجواب : إن الرسول صلى الله عليه وآله لم يكن يخشى أحدا إلا الله ، ولكنه كان يخشى الناس أن يكفروا برسالة ربه لو تزوج بزينب ، بسبب شكهم في أن الرسول ضغط على زيد ( ابنه بالتبني ) ليطلق زوجته ثم يتزوجها بعده . وهكذا كانت سيرة الأنبياء أنهم يكلمون الناس على قدر عقولهم ، وفي رواية عن الصادق عليه السلام :
( مَا كَلَّمَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وآله العِبَادَ بِكُنْهِ عَقْلِهِ قَطُّ .
وَقَالَ :
قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وآله إِنَّا مَعَاشِرَ الأَنْبِيَاءِ أُمِرْنَا أَنْ نُكَلِّمَ النَّاسَ عَلَى قَدْرِ عُقُولِهِمْ )
« 1 » ، وهذه الآية تشبه قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ [ المائدة : 67 ] .
فخشية الرسول من تبليغ بعض بنود الرسالة لم تكن على نفسه ، إنما على الناس أن يكفروا به وبها .
فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا أي لما تمتع بها زيد فترة من الوقت ثم طلقها زوجها الله رسوله . وكانت زينب تفتخر على سائر زوجات الرسول بأن الله هو الذي زوجه منها وبنص القرآن .
أما الهدف من وراء ذلك فهو كسر العادة الجاهلية ، ورفع الحرج عن المؤمنين في الزواج من مطلقات أبنائهم بالتبني .
لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً ولأن البعض ربما يتصور بأن هذا القضاء سوف يفشل بسبب تعارضه مع العرف الاجتماعي ، أكد ربنا بأن أمور الحياة بيده وليست بيد الناس ، وأنه قادر على إجراء ما يريد .
وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا فمع أن بعضا من أمور الحياة خولها الله للإنسان ، إلا إن مسيرتها العامة بيده ، يفعل ما يشاء ، ولهذا قال الإمام علي عليه السلام :
( عَرَفْتُ اللهَ سُبْحَانَهُ بِفَسْخِ العَزَائِمِ وحَلِّ العُقُودِ ونَقْضِ الهِمَمِ )
« 2 » .
[ 38 ] ثم يؤكد القرآن بأن القيادة الرسالية ليست هي التي تنسى الدنيا من أجل الآخرة ، أو تنسى ضرورات الحياة ، فالرسل - وهم قادة الناس - بشر فرض الله عليهم أن يعيشوا كسائر البشر حياة تجمع العقل والحاجة ، ولا يمكن لأحد أن يتجاوز هذا الفرض لكونه قائدا ، ثم يدعي بأن ذلك من ضرورات الرسالة ، فمن لا معاش له لا معاد له .
هامش
( 1 ) الكافي : ج 1 ، ص 23 .
( 2 ) بحار الأنوار : ج 5 ، ص 197 .