تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 208

مساهمون:

ص٢٠٨
وفي الشريعة الإسلامية تتركز جميع هذه القوى في القيادة الرسالية العليا وهو النبي صلى الله عليه وآله أو من يمثل امتدادا حقيقيا له . فهي المرجع التشريعي والقضائي الأعلى ، وإذا قضى النبي أو من يكون خليفة حقيقيا له لا يحق لأحد الاعتراض عليه . ويضرب لنا القرآن مثلا من واقع الأمة الإسلامية على هذه الحقيقة ، حيث عارض الإسلام العادات الجاهلية الغاصبة حرمة الزواج من مطلقة الابن بالتبني ، ووضحت الآيات بأن ابن الإنسان هو الذي ينسل من صلبه ، أما الآخر الذي يلتقطه ويتبناه فلن يصبح أبنا له أبدا ، لأن الأبوة كما البنوة وعموم العلاقات الاجتماعية المشابهة قضية طبيعية واقعية وليست محض اعتبارية . وكان هذا القضاء الجديد يومذاك يحتاج إلى من يملك الجرأة والإقدام ، وهنا تبرز وبصورة واضحة القدوة في الأمة ، فإذا بالرسول صلى الله عليه وآله يتزوج من مطلقة زيد بن حارثة وهو ابنه بالتبني ، وكان النبي قد خرق عادتين جاهليتين في هذه الحادثة ، الأولى ما تقدمت الإشارة إليها ، والثانية أنه زوج زينب بنت جحش - ذات الحسب والنسب الشريف - من رجل أقل نسبا ، تأكيدا لقيمة التقوى ، ونسفا للقيم الجاهلية المادية . ورفعا للحرج في مثل هذه الحوادث عن المسلمين ، ولأن خرق العرف الاجتماعي سوف يسبب شيئا من الإحراج للرسول ، وربما ألوانا من الضغط عليه من قبل الساذجين والمنافقين ، فقد حذره الله من الخضوع للناس على حساب الحق ، مؤكدا بأن أهم صفات المبلغ للرسالة هي الخشية من الله وحده ، والتوكل عليه . بينات من الآيات : [ 36 ] المؤمن حقا هو الذي يسلم لقضاء الله ورسوله تسليما مطلقا في جميع جوانب الحياة ، ذلك أن كلمة الله ، والرسول ، والقيادة التي تمثل امتدادا صحيحا له ، يجب أن تكون هي الحاسمة في المجتمع الإسلامي وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ . والقرآن حينما يوجه الخطاب بصيغة المذكر فإنه يشمل النصف الآخر للمجتمع بصورة طبيعية ، ولكنه هنا يخص النساء أيضا وَلا مُؤْمِنَةٍ ، لأن الكثير من الأحكام - وبالذات في باب القضاء - ترتبط بالنساء ، ولابد أن يخضعن كما الرجال لقضاء الله والرسول خضوعا حقيقيا .
من هدى القرآن — صفحة 208 | السيد محمد تقي المدرسي