والخضوع الحقيقي هو الذي تشير إليه الآية الكريمة : فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [ النساء : 65 ] . فحتى في المجال الفكري والنفسي لا يجوز للمؤمن أن يتضايق من قضاء الرسول ، بل ينبغي أن يسلم له راضيا به دون أدنى شك أو تردد .
وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِيناً ولعل أهم ما قضى به الله والرسول أن اختار أهل البيت عليهم السلام ، وقضى بطاعتهم ، إذ أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، فلا يجوز للمؤمن الاعتراض على هذا القضاء أو الفسوق عمليا عنه ، وهذا مما يعزز تفسير الآية الكريمة ( 33 ) في الدرس الماضي .
[ 37 ] وكمثال على قضاء الله في الحقل الاجتماعي ، يستعرض السياق بشيء من التفصيل قصة زيد بن حارثة بن شرحبيل ، فهي من المسائل التي كان قضاء الله فيها مخالفا للعرف آنذاك ، وزيد ابن شيخ لقبيلة اسمه حارثة ، أغارت عليها قبيلة أخرى ، فأخذ وبيع في مكة ، فاشتراه الرسول صلى الله عليه وآله والذي كان يسعى حتى قبل بعثته لتصفية آثار الجاهلية قدر ما يستطيع ، وهكذا ينبغي للإنسان المؤمن السعي بما يستطيع وكيفما يقدر لإزالة آثار الجاهلية . فالرسول صلى الله عليه وآله لم يكن قادرا على شراء كل العبيد وعتقهم أو تربيتهم ، ولكنه اشترى بعضهم .
وفي قصة طويلة جاء والد زيد زائرا لمكة ، وطلب من الرسول أن يشتري ولده ، فجعل الرسول الخيار لزيد في البقاء معه أو الرحيل مع والده - بعد أن أعتقه - فاختار البقاء مع المسلمين وفي كنف النبي صلى الله عليه وآله .
فعاش كأبرز صحابة الرسول ، وقد أبلى في الإسلام بلاء حسنا ، وكذلك ابنه أسامة رضي الله عنها ، وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ إذ جعله يعيش تحت ظل رسول الله صلى الله عليه وآله ، فيهتدي للإسلام ، وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ ، وكان إنعام الرسول يتمثل في عتقه لزيد من العبودية . وقد حدث أن أراد زيد طلاق زوجته زينب بنت جحش فنهره الرسول وقال : أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ لا تطلقها ، وَاتَّقِ اللَّهَ في طلاقها ومضارتها .
وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ أي أن الله كتب زينب زوجة لك وقد أعلمك بذلك ، ومهما أخفيت ذلك فإنه سيظهره يوما من الأيام .
وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ هكذا يحكي الله عن رسوله ، بالرغم من أن آية لاحقة تصف المبلغ للرسالة بأنه لا يخشى إلا الله ، فكيف نوفق بين الآيتين ؟ .
من هدى القرآن — صفحة 209
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٠٩