وأئمة المتقين هم الذين يطلبون من الله أن يهبهم أفضل الأزواج والبنين ، في الوقت الذين يطلبون أن يجعلهم أئمة للمتقين : وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً [ الفرقان : 74 ] .
وهذا هو السلوك المتكامل للقيادة ، والذي يجعلها أسوة للآخرين ، وهو سلوك القادة الرساليين من الأنبياء ، والأوصياء ، والأولياء عبر التاريخ ، وهو دليل على نوع الرسالة التي يدعون الناس إليها .
إن الحياة الفاضلة هي التي تدعو إليها الآية الكريمة : وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا [ القصص : 77 ] . ولا يمكن للقائد أن يتضخم فيه جانب على حساب الجانب الآخر ، لأن الناس آنئذ لن يتبعوا هذه القيادة ، لأن التمتع بالدنيا كما التطلع للآخرة قضية يقرها العقل البشري .
إذن لا داعي للحرج ، وذلك لأسباب هي :
أولًا : أن زواجه من زينب واجب مفروض عليه من قبل الله ، كما إنه من نفع الرسول لذلك جاء التعبير ب لَهُ وليس عليه مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ .
ثانياً : أن التمتع بالدنيا إلى جانب السعي للآخرة ليس جديدا على الأنبياء والقيادات الرسالية ، إنما هو سنة جرت بها الحياة سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ .
ثالثاً : لا بد أن نعتقد - نحن المؤمنين - بأن أوامر الله حكيمة ودقيقة ، وهذا يبعثنا نحو التسليم لقضائه .
ونهايات الآيات التي هي مفاتيح لمعرفة إطارها العام ، تهدينا إلى حكمة الله وأنه جعل كل شيء بقدر وحساب ، ولو أن الرسول ترك متع الدنيا التي فرضها الله له ، باعتقاد أن الآخرة هي الأهم ، لخرجت حياته من التوازن ، فلابد أن يستجيب لأوامر الله ، فالدين ليس شيئا يصنعه الإنسان بفكره البسيط ، إنما يجب أن يتبعه كما هو ، وفي الحديث :
( إِنَّ الله يُحِبُّ أَنْ يُؤْخَذَ بِرُخَصِهِ
( المباحات )
كَمَا يُحِبُّ أَنْ يُؤْخَذَ بِعَزَائِمِهِ
( الواجبات ) ) « 1 » . وحينما أقسم عثمان بن مظعون أن يصوم الدهر نهره الرسول ، وقال له :
( فَصُمْ وَافْطر ، وَنَمْ وَقُمْ ، وَأئتِ زَوْجكَ ، فَأِنِي أَنَا أَصُومُ وَأُفْطِر وَأَنَامُ وَأُصَلي
. . ) « 2 » وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً .
هامش
( 1 ) وسائل الشيعة : ج 1 ص 107 .
( 2 ) مجمع الزوائد ، الهيثمي . ج 2 ، ص 260 .