هاجر سبعة أشواط من طوافها بين الجبلين ، وجدت آثار الماء تحت قدمي ابنها إسماعيل . فشرع الله السعي بين هذين الجبلين ، تخليدا لذكرى هاجر ورمزا لسعي الإنسان في سبيل الله . بيد أن المشركين وضعوا حجرين على الصفا والمروة واختلقوا لهما قصة خرافية وأخذوا يعبدونهما ويسعون من أجلهما ، وظن بنو إسرائيل - وتأثر بهذه الشبهة بعض المسلمين - أن الطواف بين الجبلين أصبح وهماً لمجرد أن الجاهليين وضعوا عليهما صنمين ، فجاءت الآية تنفي هذا الاعتقاد ، وترفع تحرج المسلمين من أنه شيء صنعه المشركون ، يقول تعالى : * إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ الشعيرة هي الرمز ، حيث إنها دليل على الإيمان ، ويطلق على محل العبادة ، كالصلاة والحج وما أشبه ، قال الطبرسي قدس سره في مجمع البيان : [ وكل معلم لعبادة من دعاء أو صلاة أو غيرهما فهو مشعر لتلك العبادة ] « 1 » .
فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا ويسعى بينهما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً بالتأسي بهاجر ، وسعى بين الصفا والمروة كما سعت .
والتطوع الانقياد وقبول المشقة في الطاعة أو الزيادة في الطاعة ، لذا يلائمه المستحب كما هو الغالب ، فالمعنى فمن تطوع بعد أداء الواجب منه ومن الطواف ، وسائر الأفعال الخيِّرة فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ .
رسالة العلم
[ 159 ] العلم رسالة يجب أن تخدم هدف الإنسان في الحياة ، أما إذا استغل العلم في سبيل مصالح خاصة فسوف ، يصبح وبالا على المجتمع ووبالا على صاحبه ، وسوف يفتضح هذا العالم أمام الناس والتأريخ ، فيعتزله الناس ويصبح منبوذا .
كانت قصة الصفا والمروة مثلا لما يستطيع أن يفعله العلم إذا استخدم في سبيل إضلال الناس ، حيث حولوه من شعيرة دينية إلى عمل محرم .
وبعد هذه القصة وحتى اليوم نجد علماء سوء ، يكتمون الحقائق عن الناس ، ولا يؤدون أمانة العلم العظيم إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ الكتاب لم يأت لطائفة معينة ، إنما جاء هدى للناس جميعا ، والذين يكتمون تشريعاته المفصلة الْبَيِّنَاتِ أو قيمه الموجزة وَالْهُدَى عن الناس الذين نزل الكتاب لهم أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمْ اللَّاعِنُونَ .
هامش
( 1 ) مجمع اليان : ج 1 ، ص 438 .