تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 254

مساهمون:

ص٢٥٤
المحيطة به لا تمت له بصلة ، بل هي فضل من الله تبارك وتعالى يؤتيها من يشاء ويسلبها ممن يشاء وكيف يشاء ومتى يشاء . فالشكر عنوان الوعي ، والشكر لله إذا ما قسمناه وحللناه نجده مبنياً على أساس معرفة الإنسان لنفسه معرفة حقيقية . فمن يدرك منّا أنّه لم يكن ثم كان ، سيتّضح لديه أكثر بأن الله سبحانه وتعالى قد أنعم عليه بنعمة الوجود . وفي المقابل الشيطان من طبيعته أن يوسوس ويثير ويشعل نار الحقد والعصبية والأنانية في قلب من لم يتوصل إلى معرفة حقيقته العدمية تجاه من يتمتع ببعض النعم ، وإن كان مطمئناً ومتأكداً من عدم ديمومتها . ولذلك فهو يعيش واقع الجهل المركّب ، حيث يورط نفسه في العذاب النفسي دون شعوره بذلك ، أو أنّه يشعر به ولكنه لا يتصور تأثيراته عليه . في حين أنّ الإنسان المطمئن السوي العالم بحكمة ربّه في تقدير أرزاق الخلائق ، الحكيم في نظرته إلى الوجود ، تراه متطلعاً إلى ما عند الله لا إلى ما يتمتع به الآخرون ، لأنه حينما يشكر إنما بنى شكره هذا على تذكر نعم الله عليه فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ أي لا تكفروا بي وبنعمتي . بماذا نستعين ؟ [ 153 ] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ الفكرة الحضارية أو الرسالة هي نواة تكوين الأمة ، ومسؤولية الأمة تجاه هذه الفكرة هو التذكر والشكر ، ولكن الأمة بحاجة إلى طائفة من الصفات الضرورية وأبرزها الاستعانة بالصبر والصلاة ، تلك الاستعانة التي أمر الله بني إسرائيل بها حين أمرهم بالواجبات الصعبة . والصلاة هي الانقطاع عن الحياة ، والتوجه إلى الله ، بحيث لا يتكل الإنسان على أي شيء في الدنيا ، بل على الله والعمل الصالح ، وأية أمة أرادت أن تتقدم فعليها أن تستمد القوة من الله ، من الإيمان به ، والعمل بتعاليمه ، والاستفادة من نعمه على الإنسان . ومن دون هذا الانقطاع تفقد الأمة تعاليم رسالتها ، وقواها الذاتية ، وتتكل على القوى الخارجية ، وتكتب بذلك نهايتها المحتومة . والصبر هو التطلع إلى المستقبل والتضحية ببعض النعم في الحاضر من أجل تحقيق أفضل منها في المستقبل ، ومن هنا فمن دون رؤية المستقبل والتطلع إلى تحقيقه لا تتقدم الأمة ، إذ التقدم بحاجة إلى ( استثمار ) بعض الطاقات في ( سوق الزمان ) حتى يحصل الربح في المستقبل . الفلاح يدفن تحت الأرض رزقه من الحبوب ، ويبذل عليه جهده ، ويتطلع إلى المستقبل