إلى الله ، وتعميق روح الإيمان فيه بوصفها قاعدة ثابتة لبناء كيان الأمة التوحيدي .
وبعد التوحيد عن طريق توجيه الإنسان إلى آيات الله ، تأتي مرحلة التربية الرسالية ( ويزكيكم ) لتصفية النفس من سلبياتها ، من الفردية ، من الجهل ، من العجلة ، من الجبن ، من ضعف الإرادة وضعف الهمة . .
إن الأمة التي لا تستطيع أن تتغلب على سلبياتها الخُلقية ، لا تستطيع أن تنتفع بالشرائع والنظم ، وإن تفوُّق الأمة في الإرادة ، والتزامها الواعي شرط أساسي لتطبيق أي نظام أو قانون .
إنّ بداية الإصلاح في المجتمع الإنساني تبدأ من حيث مركز القرار ، وهو النفس ، التي لابد أن يكون صاحبها متصلًا بها لكي يكون الإصلاح ؛ فإذا ما صلحت نوايا الناس ونفوسهم ظهرت بوادر الإصلاح . ولذلك كان التركيز القرآني على هذه النقطة أكثر من التركيز على أنواع الإصلاح الأخرى التي تتفرّع من مركز قرار الإصلاح في ذات الإنسان وضميره ، كالإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي وحتى الإصلاح التربوي . ذلك لأن الحديث القرآني عن تلك الأنواع من الإصلاح لم يكن بمستوى الحديث عن إصلاح النفس الإنسانية ، وتزكيتها ، وتنمية مواهب الخير وبواعث الصلاح فيها .
وفي المرحلة الثالثة تحتاج الأمة إلى نوعين من الأنظمة . نوع ثابت يسميه القرآن بكتاب ، ونوع يتطور وفق الزمان يسميه بالحكمة حسب ما يبدو لي .
هذه هي الشروط الثابتة لبناء أية أمة ، وقد استوفت الرسالة الإلهية كل هذه الشروط وزيادة ، حيث فتحت أمام الأمة آفاقا جديدة من العلم ، وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ وعلينا أن نتذكر هذه الرسالة باستمرار ، ونتذكر حاجتنا إليها وفائدتها لنا .
[ 152 ] ولذلك علينا أن نشكر الله على نعمة الرسالة حتى ينفعنا الله بها ، ونشكر الله عليها ليزيدنا نورا فيها ، ولا نكفر بهذه النعمة التي مَنَّ الله بها علينا ، فالنعمة التي تُكفَر تزول .
والشكر نفسيّة إيجابية مبادرة تتمتّع بصفة الاستباق إلى الخيرات ، والمسارعة نحو العمل الصالح .
أقول : لولا الظلام الذي يهيمن على الوجود في الليل ، ما أحسّ أحد بأهمية النور وبسنا ضياء النهار . فمشكلة ابن آدم أنّ النعم التي تواترت عليه قد أذهلته عن حقيقته وعن وجودها هي أيضاً ، علماً أن حقيقة الإنسان حقيقة عدمية ، من منطلق أنّ كل نعمة من نعم الله عليه
من هدى القرآن — صفحة 253
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٥٣