إن للآية مستوى من الدلالة يوازي الفهم العرفي ، وهو الدلالة المباشرة للظاهر ولمكونات الآية اللغوية . وهذا المستوى وإن كان ليس نهاية الآية لكنه يؤثّر في مسار الآفاق المتوالية لمعاني الآية ، فلا يؤخذ بما ينقضه . ومن هذا القبيل التفسير ( العلمي ) للآيات ذات الإشارات العلمية ، فالمعنى وإن تولد بشرارة التطور العلمي إلا أن ظاهر الآية هو المعيار فلا يؤخَذ بما لا ينسجم معه . وإنّما ذكرنا هذا التنظير بالتفسير العلمي بهدف التقريب لمراتب الحجية وتكامل الدلالة ، فالرواية ودلالتها لا ينبغي أن تنقض الظاهر ، لكن هي الشرارة المولدة لفهم ما تدل عليه الآية .
ومن جهة ثانية إن الأفق الذي تفتح مساره الرواية ( كما تطور المعرفة ) يتأتى مع إبقاء العقل متيقظا نشطا في اتجاهين ؛ في اتجاه النظر الكلي لكل آليات الفهم ( اللغة ، السياق ، الرواية ، . . ) بحيث تتآزر لفهم الآية ، وفي اتجاه النفاذ عبرها ( مجتمعة ) إلى المعاني المختبئة .
فمثلا ؛ قوله تعالى : قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا « 1 » ، فالسياق ( عمل ، شاكلة ، الهداية ) ، واللغة : ( الشواكل والعلامات والملامح ) ، والرواية : [ قَوْلَهُ تَعَالَى : قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ قَالَ عليه السلام :
عَلَى نِيَّتِهِ ]
« 2 » ، فالمحصلة النهائية لدرك أبعاد الآية الكريمة الوصول إلى معنىً حاصله أنَّ عمل الإنسان يكون وفق صفاته النفسية .
وفي مثل : أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ، فالحسد لبعض الناس على مراتب ومقامات دينية بقٌرينة فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً « 3 » ، وبقي السؤال : من هم هؤلاء ؟ . . تجيبك الرواية أنهم أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله « 4 » . ومن هنا نلاحظ إمكانية الاستفادة من الرواية والآية كمعيار اختباري متبادل لصحة الفهم ، حيث يصل المتدبر إلى الجسر الرابط بينهما .
3 - آفاق الاستفادة من الروايات
ألف : الروايات ترفد بمعلومات عن أحداث المشهد القرآني أو أبطاله ، مثل تلك التي تحكي موقف موسى عليه السلام من فرعون ، أو موقف فرعون من موسى ، أو تبين لنا حياة السامري فتقول إنه كان في البدء صائغاً يملك المال ، فهذه الرواية توضح لنا جانباً من فلسفة القصص التي جاءت في الآيات الكريمة ، أو تكشف عن تفاصيل نافعة في فهم خلفيات الأحداث . . فيتأتى لنا - مثلًا - معرفة إن
هامش
( 1 ) الاسراء : 84 .
( 2 ) الكافي : ج 2 ، ص 85 .
( 3 ) النساء : 54 .
( 4 ) جاء في أصول الكافي : ج 1 ، ص 205 : عن الامام أبي جعفر الباقر عليه السلام أنه قال في بيان الآية الكريمة : [ نحن الناس المحسودون على ما اتانا الله من الإمامة دون خلق الله أجمعين ] .