ومن هنا فالدلالة القرآنية المتاحة في مستوى ( الظهور العرفي ) لا ريب فيه . إلّا أنّ بيان الرسول لا يستغني عنه العلماء ، وذلك ل - : ( سعة الأفق الدلالي الممتد على الزمان ) ولمثل ( المعارف المستحدَثة وخصوصا المطلّة على الغيب ) .
نعم ؛ إنَّ القرآن الكريم تميَّز بأسلوب فريد في اللغة العربية ( مع التزامه باللسان العربي ) يأخذ بالأَلباب ويأسر القلوب فكان مفهوما واضحا متين الحجة بالغ التأثير ، لكن لا يخفى إن اللغة وحدها لا تكفي في فهم أبعاد الكلام .
فبدءاً إن القرآن في حديثه عن مواضيع استحدثها ( كالآخرة ، والأحكام ، والمعارف العقائدية ، والإشارات العلمية ) قد استحدث دلالات لغوية وأبدع في التراكيب اللغوية . وثانيا إن انتماء الإنسان إلى لغةٍ مّا يجعله قادرًا على التفاهم بها دون أن توفر له المعرفة العلمية المكتوبة بها ، ولا ريب إن المواضيع المعرفية المبتكرة واسعة في القرآن .
إن هذه الجِدَة في المواضيع ليست بالقياس لعرب الجاهلية أو البشرية آنئذ فحسب ، وإنما بالقياس للبشرية بشكل عام ، والسر إنَّ هذا الدين لليس وليد الثقافة البشرية ، بل هو مختلف عنها ، فإذا كان الزمان ( التطور المعرفي ) سيفتح الأفق لفهم الإشارات العلمية ، فإنه لن ينفع في استكناه المعارف المتصلة بالغيب وتفاصيل الأحكام المجملة ، ويكفينا إختلاف المسلمين دليلًا على ذلك حين حرموا أنفسهم من الناطقين عليهم السلام عن الكتاب .
وإذا كنا - معشر المسلمين - نقرأ الكتاب ونرى قسماً معتداً به مُيَسَّر الفهم لعامّة الناس ناهيك عن العلماء ، فإنَّ ذلك مرده لانتشار التعليم النبوي بصور مختلفة بين المسلمين مما جعلهم يفهمون ظاهر الكتاب .
وبمراجعة السيرة النبوية سنجد أن التاريخ يكشف عن مضمون ( الحاجة لبيان الرسول وتعليمه ) ، أي قيام الرسول الأعظم بتبيان القرآن للمسلمين ، فكان صلى الله عليه وآله يشرح النص القرآني ، ويكشف عن أهدافه .
إن بيان النبي صلى الله عليه وآله لعامة المسلمين كان لمجمل الدين في المستوى العرفي ، والتفاوت في غير العرفي في البيان يكون منه صلى الله عليه وآله بحسب قابلياتهم ( كما تميز بعض الصحابة وعُرِفَ عنهم ذلك ) أو بحسب حاجاتهم ( شؤون تأسيس المجتمع والدولة ) ، فلم يشمل القرآن كله ناهيك عن أعماقه . وهذا يتفق مع طبيعة الأمور ، ويدل عليه ندرة ما صح عن الصحابة من التفسير بالمأثور عن النبي صلى الله عليه وآله ، وأيضا تحيّر الصحابة في معاني بعض الآيات .
من هدى القرآن — صفحة 117
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١١٧