تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الموسوعة الفقهية الميسرة — صفحة 596

مساهمون:

ص٥٩٦
يكشف عن أنّ السنّة الواردة لم تكن سنّة واقعاً ، لعدم إمكان ورود ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم . وهذا لا أظن أن يخالفه أحد . والظاهر أنّ الذي أربك المخالفين لهذه الروايات هو احتمالهم لأن تشمل الروايات التي حصلها الإنسان مشافهة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فقالوا : كيف يصحّ عرض هذه الروايات على القرآن ، بحيث يكذّب النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند عدم موافقتها له ؟ ! ولكنّ الجواب معلوم ، وهو : أنّ مثل هذا لا يصدر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بحال ، كما قال الشافعي ، وإذا رأينا مورداً من هذا القبيل ، نعلم بحصول الخطأ في نقل الراوي ، أو في فهمه ، أو بسقوط بعض القرائن من الرواية . ونحن الإماميّة بحمد اللَّه في غنى عن ردّ مثل ذلك ، لأنّ الاعتقاد بعصمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم يكفينا عن التكفّل لردّه ، كما لا يتوجّه إلينا هذا الإشكال بحال . رابعاً - أنّ روايات العرض لم تقتصر على الأمر بالعرض على الكتاب فقط ، بل شملت العرض على السنّة أيضاً ، والمراد بها السنّة القطعيّة . وهذا يؤيّد ما قلناه من أنّ هذه الروايات إنّما صدرت للحفاظ على السنّة . خامساً - إنّ حفظ السنّة النبويّة والدفاع عنها حقّ لا ريب فيه ، بل هو من أهم وظائف المسلمين ، خاصّة العلماء منهم ، لكن لماذا لم يظهر منهم هذا الاهتمام عندما أراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يكتب كتاباً يمنع من ضلال أُمّته فجُوبه بذلك الردّ العنيف والمؤلم لقلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكلِّ مؤمن ومؤمنة فقيل : « إنّ الرجل . . . حسبنا كتاب اللَّه ! ! » « 1 » ، أليس هذا عزلًا للسنّة ، بل ردّاً لها بمحضر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ؟ وهل يتصوّر ردٌّ لها أبشع من هذا الردّ وأنكأ منه ؟ !

ما هو المراد من مخالفة العامة ؟

لأجل وضوح هذا الأمر لابدّ من التنبيه على بعض الأُمور : الأوّل - أنّ الاشتراك بين المذاهب الإسلاميّة في الأحكام الشرعيّة ، وخاصّة في أُمّهات المسائل كثيرٌ ، ولعلّه أكثر من وجوه الاختلاف . الثاني - أنّ طرح ما وافق العامّة والأخذ بما وافقهم إنّما هو عند تعارض الأخبار ، فإذا ورد خبران متعارضان فيطرح الموافق للعامّة ، ويؤخذ المخالف لهم . وليس المراد إجراء القاعدة في جميع الموارد ، بحيث لو ورد خبرٌ دالٌّ على حكم شرعي اشتركت المذاهب الإسلامية أو بعضها في الفتوى
هامش
( 1 ) أُنظر صحيح البخاري 4 : 7 ، كتاب المرض ، باب قول‌المريض : « قوموا عنّي » ، و 1 : 32 ، كتاب العلم ، باب كتابة العلم . وصحيح مسلم 3 : 1157 ، كتاب الوصيّة ، باب ترك الوصيّة لمن ليس له شيء يوصي فيه ، الحديث 1637 .
الموسوعة الفقهية الميسرة — صفحة 596 | الشيخ محمد علي الأنصاري