الأوّل - أن يختار المجتهد المفتي أحد الخبرين المتعارضين ، ثمّ يعمل هو طبقه ويفتي مقلّديه استناداً إليه ، فيسمّى ذلك تخييراً في المسألة الأُصوليّة ، لأنّ المجتهد هو الذي يختار ما هو الطريق والحجة إلى الحكم الشرعي ثمّ يفتي طبقه ، وليس للمقلِّد دور في ذلك .
الثاني - أن يفتي المجتهد بالتخيير في المسألة الأُصوليّة ، بأن يقول : في المسألة روايتان ، مفاد إحداهما كذا ومفاد الأُخرى كذا ، والمقلِّد له أن يختار واحداً منهما .
فهنا قد يختار المقلّد غير ما يختاره المجتهد لعمل نفسه .
الثالث - أن يفتي في المسألة الفقهيّة الفرعيّة بالتخيير ، كما يفتي بتخيير المقلِّد بين القصر والإتمام في الأماكن الأربعة ، من دون أن يكون للمقلِّد أي نظر في مدرك الحكم في المسألة .
فهل التخيير المأمور به في المتعارضين من القسم الأوّل ، أو الثاني ، أو الثالث ؟
ذهب الشيخ الأنصاري « 1 » والنائيني « 2 » وغيرهما « 3 » إلى الأوّل .
وذهب صاحب الكفاية « 4 » إلى الأوّل مع إمكان الثاني .
وبنى العراقي المسألة - بعد رفض التخيير الفقهي - على أنّ ملاحظة الحجج والأمارات وترجيح بعضها على بعض هل هو من وظيفة المجتهد خاصّة ، أو يجوز للمكلّف غير المجتهد أن يقوم به أيضاً ؟
استظهر الثاني من إطلاقات أدلّة الأحكام الطريقيّة والظاهريّة ، كما هو الحال في الأحكام الواقعيّة .
وبنى على ذلك جواز إفتاء المجتهد بالمسألة الأُصوليّة ، ويقول للمكلّف في المسألة روايتان ، بأيّهما أخذت وسعك الأمر ، فيختار المكلّف إحدى الروايتين ويعمل طبقها ، وربّما يكون ما اختاره مخالفاً لما اختاره مقلَّده « 5 » .
هل التخيير بدويٌّ أو استمراريٌّ ؟
معنى كون التخيير بدويّاً هو : أنّه إذا اختار - المفتي أو المستفتي - إحدى الروايتين ، فينبغي أن يبقى على اختياره إلى الآخر ، فلا يجوز أن يختار الرواية الأُخرى مرّة ثانية ، وبعبارة أُخرى يكون التخيير لمرّة واحدة وهو بدو الأمر ، فلا اختيار بعده .
وأمّا التخيير الاستمراري فهو : أن يجوز له الاختيار متى ما شاء ، فإذا اختار الرواية الأُولى
هامش
( 1 ) أُنظر فرائد الأُصول 4 : 41 - 42 .
( 2 ) أُنظر فوائد الأُصول 4 : 766 - 768 .
( 3 ) أُنظر رسالة التعادل والترجيح ( ضمن رسائل الإمام الخميني ) : 56 - 57 .
( 4 ) أُنظر الكفاية : 446 .
( 5 ) أُنظر نهاية الافكار 4 ( القسم الثاني ) : 210 - 212 .