الظهر فيه تعييناً كذلك ، فالعمل بهما يقتضي وجوب الجمعة والظهر معاً تعييناً يوم الجمعة ، بينما دلّ الدليل من خارج على عدم وجوب أكثر من خمس صلوات يوميّاً ، في حين أنّ العمل بالدليلين يؤدّي إلى ثبوت وجوب ستّة صلوات في اليوم . فالعلم الإجمالي بوجوب الظهر أو الجمعة يوجب التعارض بين دليلي الظهر والجمعة ، لعدم إمكان الجمع بينهما في العمل « 1 » .
الفرق بين التعارض والتزاحم :
يرد على ألسنة الفقهاء والأُصوليين عنوانان ربما يتقاربان بنظر العرف العام ، لكن هناك فرق بينهما .
وقبل بيان الفرق بينهما نذكر لكلٍّ منهما مثالًا :
مثال التعارض هو : أن يرد دليل يدلّ على وجوب صلاة الجمعة في زمن غيبة الإمام عليه السلام ، ويرد دليل آخر يدلّ على حرمتها عندئذ . فهنا نرى أنّ هناك تكاذباً بين الدليلين ، ولابد من تساقطهما أو اختيار أحدهما ممّا توفّرت فيه المرجّحات .
مثال التزاحم هو : أن يرد الدليل على وجوب إنقاذ المسلم من الهلاك ، ويرد دليل آخر على حرمة التصرف في مال الغير من دون إذنه .
فهذان الدليلان لا منافاة ولا تكاذب بينهما في مقام الجعل والتشريع ، نعم قد يقع التزاحم بينهما فيما لو توقّف إنقاذ المسلم من الهلاك على التصرف في مال الغير من دون إذنه ، فهنا لايتمكّن المكلّف من العمل بالتكليفين في زمان واحد ، لأنّه إمّا أن ينقذ الغريق من الهلاك ، لكن يغصب مال الغير ويتصرّف فيه بدون إذنه ، أو يترك الإنقاذ والغصب معاً .
وهناك رأيان للتفرقة بين الموردين :
الأوّل - ما ذكره صاحب الكفاية :
وحاصله : أنّ ملاك الحجيّة لا يوجد في المتعارضين إلّافي واحد منهما ؛ لأنّ التعارض يكشف عن أنّ أحدهما فاقد لشرائط الحجيّة ، فلابدّ من معرفته عن طريق استخدام مرجّحات التعارض المذكورة في محلّها ، ثمّ العمل بالدليل الآخر .
أمّا المتزاحمان فملاك الحجيّة موجود فيهما معاً ، ولكن لا يمكن العمل بهما معاً ، فلابدّ من ترجيح أحد المتزاحمين على الآخر عن طريق استخدام المرجّحات في باب التزاحم « 2 » .
واختار هذا الرأي تلميذه العراقي أيضاً « 3 » .
الثاني - ما ذكره النائيني :
وحاصله : أنّ المنافاة في باب التعارض إنّما هو في مقام الجعل والتشريع ، بأنْ يرد دليل على
هامش
( 1 ) أُنظر المصدر المتقدّم : 417 - 418 .
( 2 ) أُنظر الكفاية : 439 - 440 .
( 3 ) أُنظر نهاية الأفكار 4 / القسم الثاني : 127 .