كالانقياد لأوامر اللَّه تعالى ، لم يكشف وروده عن تعلّق الأمربه ؛ لأنّ الانقياد للَّه تعالى وأحكامه حسن في حدّ ذاته وفي كلّ حال ، سواء ورد به أمرٌ أم لا ، فلو ورد الثواب على الانقياد لم يستكشف منه الأمر به ؛ لأنّ الانقياد في نفسه يقتضي ترتّب الثواب وإن لم يرد به أمر « 1 » .
الاحتمالات فيما يستفاد من الروايات :
ذكرت احتمالات ثلاثة فيما يستفاد من الروايات المتقدّمة ، وهي كالآتي :
الاحتمال الأوّل :
أن يراد بها إلغاء شرائط حجيّة الخبر فيما دلّ على الاستحباب من الأخبار ، وإثبات استحباب ما أدّى إليه الخبر الضعيف .
وتوضيح ذلك : أنّ جملة « فعمله » ، أو « فعله » وإن كانت جملة خبريّة إلّاأنّ المراد منها الإنشاء ، فتكون بمعنى « فليعمله » ، أو « فليفعله » .
وعليه فيكون مفاد الروايات : أنّه من بلغه شيءٌ من الثواب على عمل فليعمله ، أو فليفعله .
وهذا المفاد غير مقيّد فيها بصورة اجتماع شرائط الحجيّة في الخبر الذي بلغ المكلّفَ ، بل يشمل صورة عدم اجتماعها أيضاً .
والحاصل : أنّ الروايات تفيد أنّ من بلغه شيءٌ من الثواب على عمل فليعمل ذلك العمل ، وهذا الأمر يكشف عن مقبوليّة الخبر الضعيف الدال على استحباب عمل عند الشارع .
فجعْل الثواب يكشف عن الأمر « 2 » ، والأمر يكشف عن حجيّة الخبر الضعيف .
وهذا الاحتمال هو الظاهر من كلمات المشهور ، ومن تعبيرهم عن القاعدة ب : « التسامح في أدلّة السنن » « 3 » .
الاحتمال الثاني :
أن يكون مفادها الإرشاد إلى حكم العقل بحسن الانقياد ، والإتيان بالعمل برجاء إدراك الواقع ، فالثواب مترتّب على الانقياد ، والإتيان برجاء درك الواقع .
وعلى هذا الاحتمال ، فلا تدلّ الروايات على استحباب الفعل نفسه ، كما هو المفروض في التوجيه الأوّل .
وإذا لم يثبت استحباب الفعل لم يستكشف منه الأمر به ، وعليه فلا يمكن الإتيان به بقصد الأمر .
هامش
( 1 ) أُنظر منتقى الأُصول 4 : 519 .
( 2 ) أهمّ مناقشة ترد على هذا الاستدلال هو : جعل الثوابكاشفاً عن الأمر ، في حين أنّه يمكن جعل الثواب في مورد تفضّلًا على العباد - مع عدم الأمر - ، أو بسبب انقيادهم لأوامر المولى الحقيقي ، فلا يدور الثواب مدار الأمر دائماً حتى يكون كاشفاً عنه .
( 3 ) أُنظر : فوائد الأُصول 3 : 412 - 413 ، وأجود التقريرات 2 : 208 .