الكلام في القضاء والقدر ، فهي تحتمل وجهين :
أحدهما - أن يكون النهي خاصّاً بقوم كان كلامهم في ذلك يفسدهم ويضلّهم عن الدين ، ولا يصلحهم إلّاالإمساك عنه وترك الخوض فيه ، ولم يكن النهي عامّاً لكافّة المكلّفين . . . .
والوجه الآخر - أن يكون النهي عن الكلام فيهما النهي عن الكلام فيما خلق اللَّه تعالى وعن علله وأسبابه وعمّا أمر به وتعبّد ، وعن القول في علل ذلك ؛ إذ كان طلب علل الخلق والأمر محظوراً ؛ لأنّ اللَّه تعالى سترها عن أكثر خلقه . . . » .
ولكن علّق المجلسي على كلام المفيد بعد أن نقله بطوله ، فقال :
« وأقول : من تفكّر في الشبه الواردة على اختيار العباد وفروع مسألة الجبر والاختيار والقضاء والقدر ، علم سرّ نهى المعصوم عن التفكّر فيها ، فإنّه قلَّ من أمعن النظر فيها ولم يزلّ قدمه إلّا من عصمه اللَّه بفضله » « 1 » .
3 - التفكّر في المعصية :
التفكّر في المعصية قد يصل إلى مرحلة إرادة المعصية أو لا .
وإذا وصل ، قد يصل إلى مرحلة فعلها أو لا .
فإن لم يصل إلى مرحلة الإرادة ، فلا يكون حراماً ، نعم صرف الفكر عن المعصية أمر مطلوب ، وصاحبه من المقرّبين إلى اللَّه تعالى ، ولذلك قالوا :
المعصوم لايفكّر في المعصية ، وكلّما قرب الإنسان من هذه المرحلة بَعُد عن التفكّر في المعصية .
وإذا وصل إلى مرحلة فعل المعصية ، فيكون عاصياً ، والعصيان من جهة فعل المعصية ، لا من جهة التفكّر فيها .
وأما إذا وصل التفكير في المعصية إلى مرحلة الإرادة ، لكن لم يصل إلى مرحلة الفعل ، فالأغلب لا يكون حراماً ، لكن قد يصير حراماً ، مثاله :
إذا نوى الصائم قطع صومه بمعنى أنّه أراد قطع صومه بفعل قاطع ، فيبطل صومه وإن لم يأت بذلك الفعل .
قال السيد اليزدي : « لو نوى القطع أو القاطع في الصوم الواجب المعيّن بطل صومه . . . » « 2 » .
ولهم كلام وتفصيل في المسألة ، خاصّة في نيّة القاطع ، كنيّة شرب الماء وقصده .
وهناك استفتاء من السيّد الخوئي يدلّ على ما قلناه : من عدم حرمة مجرّد التفكّر في المعصية ، وهو :
« سؤال - هل يؤاخذ الإنسان على ما تحدّثه به نفسه من أماني شيطانيّة وتصوّرات محرّمة ، كأن يتخيل ( والعياذ باللَّه ) أنّه مجتمع مع امرأة مّا على
هامش
( 1 ) أُنظر ذلك كلّه في البحار 5 : 99 - 101 ، باب القضاء والقدر ، ذيل الحديث 24 .
( 2 ) العروة الوثقى 3 : 539 ، الصوم / النيّة ، المسألة 22 .