ثمّ استشهد للتوجيه الثالث بالرواية الآتية .
- عن حمران ، عن أبي جعفر عليه السلام ، قال : « إنّ رجلًا أتى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا رسول اللَّه ؛ إنّني نافقتُ ، فقال : واللَّه مانافقتَ ولو نافقتَ ما أتيتني ، تُعلمني ما الذي رابك ؟ أظنّ العدو الحاضر [ الخاطر ] أتاك فقال لك : من خلقك ؟ ، فقلتَ : اللَّه خلقني ، فقال لك : من خلق اللَّه ؟ قال : إيوالذي بعثك بالحق لكان كذا ، فقال : إنّ الشيطان أتاكم من قِبل الأعمال فلم يقوِ عليكم ، فأتاكم من هذا الوجه لكي يستزلّكم ، فإذا كان كذلك فليذكر أحدكم اللَّه وحده » « 1 » .
- وفي رواية أُخرى : « . . . قد شكى قوم إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم لمماً « 2 » يعرض لهم ، لأن تهوي بهم الريح أو يقطّعوا أحب إليهم من أن يتكلّموا به ، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم : أتجدون ذلك ؟ قالوا : نعم ، فقال :
والذي نفسي بيده إنّ ذلك لصريح الإيمان ، فإذا وجدتموه فقولوا : آمنّا باللَّه ورسوله ، ولا حول ولا قوّة إلّاباللَّه » « 3 » .
- ومن الأحاديث الواردة في هذا الموضوع ، حديث الرفع ، وهو الحديث المهمّ الذي يستدلّ به على البراءة ، وقد جاء فيه :
« رفع عن أُمتي تسعة : الخطأ ، والنسيان ، وما استكرهوا عليه ، وما لا يعلمون ، وما لا يطيقون ، وما اضطرّوا إليه ، والحسد ، والطيرة ، والتفكّر في الوسوسة في الخلوة [ الخلق ] ما لم ينطقوا بشفه » « 4 » .
وللأُصوليين كلام في أنّ المرفوع في هذه الفقرات ما هو ؟ والذي قيل بالنسبة إلى التفكّر في الوسوسة ، هو أنّ المرفوع فيه هو الحرمة والمؤاخذة « 5 » ، فإنّ الوسوسة لم تكن محرّمة إذا بقيت في عالم الفكر ولم تخرج نتيجتها على اللسان ، نعوذ باللَّه ، بحيث يؤدّي إلى الكفر .
والموضوع بحاجة إلى كلام أكثر لاتسعه الموسوعة فعلًا ، ولعلّنا نتطرّق إلى بعض جوانبه في مناسبات أُخرى .
تفكّه
لغة :
يأتي على معان : أكل الفاكهة ، والتمتّع والتلذّذ بالشيء ، والتمازح ، والتعجّب ، والتندّم .
فمن الأوّل : تفكّه القوم بالفاكهة ، أي أكلوها .
هامش
( 1 ) أُصول الكافي 2 : 425 ، باب الوسوسة وحديث النفس ، الحديث 5 .
( 2 ) من معاني اللمّة : الخَطْرَة تقع في القلب . أُنظر المعجم الوسيط : « لمَّ » .
( 3 ) أُصول الكافي 2 : 425 ، باب الوسوسة وحديث النفس ، الحديث 4 .
( 4 ) الوسائل 15 : 369 ، الباب 56 من أبواب جهاد النفس ، الحديث الأوّل .
( 5 ) أُنظر : فرائد الأُصول 2 : 38 ، ونهاية الأفكار 3 : 226 .