وتوضيح ذلك : قال الشيخ الطوسي بالنسبة إلى معاني القرآن : « إنّ معاني القرآن على أربعة أقسام :
أحدها - ما اختص اللَّه تعالى بالعلم به ، فلا يجوز لأحد تكلّف القول فيه ، ولا تعاطي معرفته ، وذلك مثل قوله تعالى : « يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ » « 1 » . . . .
وثانيها - ما كان ظاهره مطابقاً لمعناه ، فكلّ من عرف اللغة التي خوطب بها ، عرف معناها ، مثل قوله تعالى : « وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ » « 2 » ، ومثل قوله تعالى : « قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ » « 3 » ، وغير ذلك .
وثالثها - ما هو مجمل لاينبئ ظاهره عن المراد به مفصّلًا ، مثل قوله تعالى : « وَأَقِيمُوا الْصَّلَاةَ وَآتُوا الْزَّكَاةَ » « 4 » ، ومثل قوله : « وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا » « 5 » . . . .
فإنّ تفصيل أعداد الصلاة وعدد ركعاتها ، وتفصيل مناسك الحج وشروطه و . . . لا يمكن استخراجه إلّاببيان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ووحي من جهة اللَّه تعالى ، فتكلّف القول في ذلك خطأ ممنوع .
ورابعها - ما كان اللفظ مشتركاً بين معنيين فما زاد عنهما ، ويمكن أن يكون كلُّ واحد منهما مراداً ، فإنّه لا ينبغي أن يقدم أحد به فيقول : إنّ مراد اللَّه فيه بعض ما يحتمل ، إلا بقول نبيٍّ أو إمام معصومٍ ، بل ينبغي أن يقول : إنّ الظاهر يحتمل لأُمور ، وكلّ واحد يجوز أن يكون مراداً على التفصيل ، واللَّه أعلم بما أراد .
ومتى كان اللفظ مشتركاً بين شيئين ، أو ما زاد عليهما ، ودلّ الدليل على أنّه لا يجوز أن يريد إلا وجهاً واحداً ، جاز أن يقال : إنّه المراد » « 6 » .
حرمة التفسير بالرأي :
ورد النهي عن التفسير بالرأي عن طريق الإماميّة وغيرهم ، قال الشيخ الطوسي : « واعلم أنّ الرواية ظاهرة في أخبار أصحابنا بأنّ تفسير القرآن لا يجوز إلا بالأثر الصحيح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وعن الأئمة عليهم السلام ، الذين قولهم حجّة ، كقول
هامش
( 1 ) الأعراف : 187 .
( 2 ) الأنعام : 151 .
( 3 ) التوحيد : 1 .
أقول : كون الآيتين خاصّة الأُولى من هذا القسم محلّ تأمّل ؛ لعدم وضوح معنى « النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ » و « إِلَّا بِالْحَقِّ » إلّاببيان من الوحي . والأولى التمثيل له ب « أَوْفُوا بِالْعُقُودِ » المائدة : 1 ، و « أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا » البقرة : 275 .
( 4 ) البقرة : 43 ، وموارد أُخر .
( 5 ) آل عمران : 97 .
( 6 ) التبيان في تفسير القرآن 1 : 5 - 6 .