الصالحين ، وألبسني زينة المتّقين ، في بسط العدل ، وكظم الغيظ . . . » .
وقال السيد المدني في شرح العبارة : « ولمّا كان العدل أصل كلّ خير ، وعليه مدار كلِّ أمر ، وبه قامت السماوات والأرض ، وهو ميزان اللَّه القسط في الدنيا والآخرة ، قدّمه في الطلب على سائر المكارم المطلوبة ، اهتماماً بشأنه ، وتنبيهاً على علوِّ مكانه .
وهو إمّا بالقوّة ، فهيئةٌ نفسانيّة يطلب بها التوسّط بين الإفراط والتفريط .
وإمّا بالفعل ، فالأمر المتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط . . . » .
ثمّ قال : « إنّ الفضائل كلّها ملكات متوسّطة بين طرفي إفراط وتفريط ، فالمتوسط منها هو العدل . . . » .
ثمّ مثّل لذلك بأمثلة عديدة ، منها :
- الشجاعة ، وهي متسوطة بين الجُبن والتهوّر .
- والسخاء ، وهو متوسّط بين التبذير والبخل .
- والاقتصاد بين الإسراف والتقتير « 1 » .
- والتواضع بين الكبر والذلّ .
- والإنصاف بين الظلم والانظلام .
و . . .
ثمّ قال : « فالأوساط بين هذه الأطراف المتضادّة هي الفضائل ، ولكلٍّ منها طرفا تفريطٍ وإفراط ، وهما مذمومان ، والخروج إلى أحدهما هو الجور الذي هو ضد العدل ، والأطراف المتضادة هي الرذائل ، ومن هنا قيل : خير الأُمور أوسطها » « 2 » .
ثمّ بيّن أنّ هذا التقسيم جارٍ في باب العقائد ، ومثّل له بعض الأمثلة ، منها الجبر والتفويض ، وهما افراط وتفريط خارجان عن الاعتدال ، والحدّ الوسط هو ما ذهب إليه الأئمة من أهل البيت عليهم السلام وهو : الأمر بين الأمرين .
ثم روى عن الإمام العسكري عليه السلام أنّه قال :
« الصراط المستقيم في الدنيا هو : ما قصر عن الغلو وارتفع عن التقصير ، فلم يعدل إلى شيء من الباطل ، وفي الآخرة هو طريق المؤمنين إلى الجنّة » « 3 » .
والموضوع بحاجة إلى دراسة موسّعة خاصّة من جهة الرؤية القرآنية ، فإنّ الآيات المشتملة على كلمات : العدل ، والميزان ، والوسط ، والإسراف ، والتقتير ، والقوام ونحوها ، يمكن استفادة هذا
هامش
( 1 ) تكلّمنا عن الموضوع بشيءٍ من التفصيل في عنوان « إسراف » ، الذي طُبع بصورة مستقلة مع توضيحات أكثر تحت عنوان « دراسة حول الإسراف في الكتاب والسنّة » .
( 2 ) رياض السالكين ( في شرح الصحيفة ) 3 : 337 - 339 .
( 3 ) معاني الأخبار : 33 ( مع تفاوت ) .