إلى الحياة ، فإنّه لم ينظر إلى الدنيا كهدف نهائي ، بل ينظر إليها كوسيلة للوصول إلى الكمال ، كما قال علي عليه السلام : « وإنّما الدنيا منتهى بصر الأعمى ، لا يبصر ممّا وراءها شيئاً ، والبصير يَنْفُذُها بصرُه ، ويعلم أنّ الدار وراءها ، فالبصير منها شاخص والأعمى إليها شاخص ، والبصير منها متزوِّد ، والأعمى لها متزوّد » « 1 » .
فإنّ الدنيا من منظار الإسلام وسيلة لبلاغ الآخرة ، فالمال جيّد ، واقتناؤه جيّد إذا كان مصروفاً في سبيل الخير وبلوغ الآخرة به .
فالإسلام لايرفض الثروة ، بل يؤكّد على التوصّل إليها ، ولكن لا لذاتها أو صرفها في الجهات المحرّمة ، بل لخدمة المجتمع وبلوغ الآخرة عن طريقها .
وقد ورد : أنّ الإمام عليّاً عليه السلام حينما دخل على العلاء بن زياد - في البصرة - يعوده ، ورأى سعة داره ، قال له :
« ما كنت تصنع بسعة هذه الدار في الدنيا ، وأنت إليها في الآخرة أحوج ؟
وبلى إن شئت بلغت بها الآخرة : تُقري فيها الضيف ، وتصل فيها الرحم ، وتُطلع منها الحقوق مطالعها ، فإذا أنت قد بلغت بها الآخرة » .
فقال له العلاء : يا أمير المؤمنين ، أشكو إليك أخي عاصم بن زياد . قال : وما له ؟ قال : لبس العباءة وتخلّى عن الدنيا ! قال : عليَّ به ، فلمّا جاء قال :
« يا عُدَّي نَفْسِهِ ! لقد استهام بك الخبيث ، أما رحمت أهلك وولدك ؟ ! أترى اللَّه أحلّ لك الطيّبات ، وهو يكره أن تأخذها ؟ ! أنت أهون على اللَّه من ذلك ! » .
قال - أي عاصم - : يا أمير المؤمنين ، هذا أنت في خشونة ملبسك وجشوبة مأكلك ؟ ! » .
قال - أي علي عليه السلام - : « ويحك ، إنّي لست كأنت : إنّ اللَّه تعالى فرض على أئمّة العدل أن يقدّروا أنفسهم بضعفة الناس ، كيلا يتبيّغ بالفقير فقره » « 2 » .
والتبيّغ : الهيجان ، أي إنّه عليه السلام كان يفعل ذلك كي لا يتهيّج على الفقير فقره « 3 » .
والتأمّل في هذه القضيّة يرشدنا إلى كيفيّة محاربة الإمام علي عليه السلام - وهو الإسلام المجسّد - لجانبي الإفراط والتفريط ، والدعوة إلى الاعتدال في الحياة .
وكانت هذه سيرة الأئمّة المعصومين من ولده ، فهذا سبطه علي بن الحسين عليهما السلام الذي صبّ المفاهيم الإسلاميّة الراقية في قالب الدعاء ؛ للظروف التي عاشها يقول :
« اللهمّ صلّ على محمّد وآله ، وحَلّني بحلية
هامش
( 1 ) نهج البلاغة : 191 ، الخطبة 133 .
( 2 ) نهج البلاغة : 324 ، الخطبة 209 .
( 3 ) أُنظر مجمع البحرين : « بيغ » .