على المكرِه الذي هو السبب وهو أقوى هنا .
الثالث - ما إذا كان الفعل مستنداً إلى المباشر ، ولكن كان للسبب دورٌ قويٌّ في وقوع الفعل من المباشر ، كمن قدّم طعام غيره إلى شخص ليأكله مجّاناً ، ثمّ تبيّن - بعد الأكل - كون الطعام لغيره . فهنا يصدق العنوانان :
- عنوان التسبيب لقوّته .
- وعنوان التغرير ؛ لأنّ الآكل قد اغترّ بقول مقدِّم الطعام .
فبالاعتبار الأوّل يجوز لمالك الطعام الرجوع لأخذ ماله على السبب مباشرة ؛ لقاعدة التسبيب في الإتلاف .
وبالاعتبار الثاني يجوز له الرجوع على المباشر ، لانتساب الفعل إليه ، ولكن يجوز للمباشر الرجوع إلى السبب باعتبار كون المباشر مغروراً ، والسبب غارّاً « 1 » .
جهات البحث عن القاعدة :
يمكن البحث عن التغرير من جهتين : الحكم التكليفي ، والحكم الوضعي ، والفقهاء ركّزوا أبحاثهم في بيان الحكم الوضعي ، تاركين الكلام عن الحكم التكليفي ، ولعلّه لأجل وضوح حكمه ، وهو الحرمة ، لأنّ التغرير مساوٍ للتدليس ، والخديعة ، والغشّ ونحوها ، وهذه كلّها من العناوين المحرّمة بلا إشكال ، فكلّ ما ورد حول الغشّ والتدليس جارٍ هنا أيضاً ، مثل ما ورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم :
« من غشّ مسلماً في شراء أو بيع فليس منّا ، ويحشر يوم القيامة مع اليهود ؛ لأنّهم أغشّ الخلق » « 2 » ، وما ورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً : « ليس منّا من غشّ مسلماً ، أو ضرّه ، أو ماكره » « 3 » .
وورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً : « من كان مسلماً فلا يمكر ولا يخدع ، فإنّي سمعت جبرئيل يقول : إنّ المكر والخديعة في النار ، ثمّ قال : ليس منّا من غشّ مسلماً ، وليس منّا من خان مسلماً . . . » « 4 » .
وروي عن علي عليه السلام أنّه كان يقول : « لولا أنّي سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم يقول : إنّ المكر والخديعة والخيانة في النار ، لكنت أمكر العرب » « 5 » .
والنصوص الدالة على تحريم هذه الأُمور كثيرة .
هذا مضافاً إلى ما قاله الشيخ الأنصاري : من « وجود الأخبار المتفرّقة الدالّة على حرمة تغرير الجاهل بالحكم أو الموضوع في المحرّمات ، مثل :
ما دلّ على أنّ من أفتى بغير علم [ ولا هدى من
هامش
( 1 ) أُنظر منية الطالب 2 : 172 - 173 .
( 2 ) الوسائل 17 : 282 ، الباب 86 من أبواب ما يكتسب به ، الحديث 10 .
( 3 ) المصدر المتقدم : 283 ، الحديث 12 .
( 4 ) الوسائل 12 : 241 ، الباب 137 من أبواب أحكام العشرة ، الحديث الأوّل .
( 5 ) المصدر المتقدم : 242 ، الحديث 5 .