فإذا قدّم شخص لآخر طعاماً يعتقد أنّه له ، أو مأذون في إباحته للغير ، فأكل ذلك الشخص الطعام ، ثمّ تبيّن أنّه لم يكن له ولا هو مأذون في إباحته للغير ، فإذا قلنا : إنّ التغرير من العناوين القصديّة ، فلا تغرير هنا ؛ لعدم قصده من قبل مقدِّم الطعام .
وإن قلنا : إنّه ليس من العناوين القصديّة ، فلا مانع من صدق التغرير عندئذ « 1 » .
النسبة بين التغرير والتسبيب :
النسبة بين التغرير والتسبيب هي نسبة العامّين من وجه ، فهما قد يجتمعان وقد يفترقان .
فمثال اجتماعهما هو المثال المعروف : من أنّه لو قدّم الغاصب الطعام المغصوب لمن كان جاهلًا بالغصبيّة ، فهنا يصدق التسبيب ، لأنّ الغاصب هو الذي قدّم طعام الغير للآكل ، ويصدق التغرير ، لأنّ الآكل اغترّ بفعل الغاصب فأكل اعتماداً على ظاهر الحال .
ومثال افتراق التسبيب ما لو أكره المكرِه المكرَه على أكل طعام الغير ، مع علم الآكل المكرَه بذلك ، فهنا يصدق التسبيب ولا يصدق التغرير ، لأنّ المكرَه عالم بالحال ، فأكَلَ طعام الغير عالماً بأ نّه للغير ، فلذلك لم يكن مغترّاً ، نعم هو مكرَه ، فيكون المكرِه سبباً لأكل المكرَه طعام الغير .
ومثال افتراق التغرير عن التسبيب ، ما لو رغّب السمسار التاجر بشراء متاع ، ولم يتجاوز عن الحثّ والترغيب وإن كانا شديدين ، ثم ظهر للتاجر أنّ المتاع لم يكن كما وصفه السمسار ، فهنا يصدق التغرير ، ولم يصدق التسبيب ، لأنّ التاجر اشترى المتاع باختياره الكامل .
والذي يدخل تحت عنوان القاعدة قطعاً هو محلّ الاجتماع ، وأمّا ما يصدق عليه التسبيب دون التغرير فخروجه واضح ، وأمّا ما يصدق عليه التغرير دون التسبيب ، فقد يشمله الحكم التكليفي وهو الحرمة كما سيأتي ، أمّا الحكم الوضعي وهو الضمان ، فالظاهر عدم التزامهم به ، ما دام كان الفاعل مختاراً في عمله ، وإليه ينتسب الفعل ، وبعبارة أُخرى يكون المباشر أقوى من السبب .
ويشهد لذلك : أنّ المحقّق النائيني قسّم السبب إلى ثلاثة أقسام :
الأوّل - ما إذا كان السبب موجباً لإحداث الداعي في المباشر لاغير ، بحيث لم يستند الفعل إلّا إلى المباشر لضعف السبب ، ومثاله مثال السمسار المتقدم ، ومثله ما لو رغّب شخصاً بالزواج مع امرأة ؛ لما فيها من الصفات الكماليّة ، ثمّ تبيّن بعد الزواج أنّها لم تكن كذلك .
فلا ضمان هنا على السبب ، لقوّة المباشر .
الثاني - ما إذا كان الفعل مستنداً إلى السبب دون المباشر لأقوائيّة السبب ، مثل المكرِه والمكرَه ، فإذا كان المباشر مكرَهاً ، فلا ضمان عليه ، بل يكون
هامش
( 1 ) أُنظر هدى الطالب 5 : 550 - 551 .