كما إذا أسقط نفسه من مرتفع ، فعجز عن التحرّك وتحمّل السفر للحج ، بعد أن استقرّ عليه باجتماع جميع الشرائط التي كان منها الاستطاعة البدنية .
أو كما إذا وجب عليه الجهاد عيناً ، ففعل ذلك ليرتفع عنه التكليف .
وأُخرى يتحقّق بسلب القدرة الشرعيّة ، فإنّ الاستطاعة الماليّة بالمعنى المتشرّعي واجبة شرعاً ، لا عقلًا ، فإذا تحقّقت مع سائر شرائط وجوب الحجّ ، لكنَّ المكلّف وهب جميع أمواله بحيث لم تبق له الاستطاعة الماليّة التي كانت شرطاً لوجوب الحج ، والتي كانت متحقّقة قبلًا . فهنا قد سلب المكلّف عن نفسه القدرة الشرعيّة .
وستأتي نماذج ذلك في التطبيقات .
والدليل على عدم سقوط التكليف هو :
أوّلًا - حكم العقل : « بأنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار » فإنّ الذي صار بنفسه سبباً لسلب قدرته عن إتيان التكليف بعد توجهه إليه لا يقبح توجّه اللوم إليه واستحقاقه للعقاب .
وقد تكلّمنا عن القاعدة بالمقدار الميسور بصورة مستقلّة ، وذكرنا آراء الفقهاء والأُصوليين فيها ، مع ذكر جملة من تطبيقاتها ، كلُّ ذلك في عنوان « امتناع / قاعدة الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار » .
ثانياً - أنّ العقل يحكم بقبح تفويت القدرة على إتيان التكليف بعد وجودها ، كما يحكم بقبح المعصية بترك إتيان التكليف مع بقاء القدرة على إتيانه ، لاشتراكهما في تفويت غرض المولى الحقيقي من تشريع التكليف .
وهذا الدليل يمكن أن يتمسّك به حتى من لم يلتزم بجريان القاعدة العقليّة المتقدّمة في الفقه .
ثانياً - التعجيز قبل توجّه الخطاب إلى المكلّف :
في هذه الحالة أيضاً ، تارة يكون التعجيز بسبب سلب القدرة العقليّة ، وأُخرى بسبب سلب القدرة الشرعيّة .
وهنا اختلفت آراء الفقهاء في الموارد المختلفة ، وربّما بنى بعضهم حرمة التعجيز هنا على حرمة ترك المقدمة المفوِّتة ، وهي التي يفوت الواجب - في وقته - بترك المقدّمة التي يتوقّف وجود الواجب عليها .
كما سنلمح إليه في التطبيقات .
التطبيقات :
أوّلًا - قال المحقّق الحلّي : « إذا كان معه ماءٌ فأراقه قبل الوقت ، أو مرَّ بماءٍ فلم يتطهّر ودخل الوقت ولا ماء ، تيمّم وصلّى ، ولا إعادة ولو كان ذلك بعد دخول الوقت . . . » .
« لنا : إنّه صلّى صلاة مستكملة للشرائط فتكون مجزئة ، والإراقة للماء سائغة فلا يترتّب