المداراتيّة ، وهي تتصوّر فيما إذا كان الإنسان يعيش مع المخالفين في وطنهم .
وهناك خلاف في جواز مثل هذه التقيّة ، فعلى فرض القول بجوازها يمكن أن يقال بجواز التشبّه بالمخالفين مداراة معهم .
وسوف يأتي في عنوان « تقيّة » تفصيل ذلك ، إن شاء اللَّه تعالى .
الحالة الثالثة - أن يكون التشبّه اقتراحاً ومن غير داعٍ :
مثل أن يتشبّه الإنسان بمن يخالفه في الدِّين أو المذهب من دون خوف ضرر ، ولا لأجل المداراة .
فهنا يأتي الكلام عن جواز هذا النوع من التشبّه وعدمه .
ولم تطرح المسألة - مع الأسف - بصورة مستقلّة ليستوفى فيها البحث ، وإنّما تعرّض بعض الفقهاء لها إجمالًا في بعض المسائل ، من قبيل :
لبس البُرطُلّة أثناء الطواف ، والصلاة باتّجاه بيوت النيران ، والتكتّف في الصلاة ، وغير ذلك ممّا سنذكره عن قريب .
وعلى أيِّ تقدير ، فالذي استنتجناه من كلمات الفقهاء هو : أنّ هناك قولين في المسألة ، وهما : الحرمة - فتوىً أو احتياطاً - والكراهة .
ويبدو من الموارد التي حكموا بكراهتها ؛ لأجل كونه تشبّهاً بالكفّار ، هو : أنّ القول بالكراهة هو الغالب إلّاأن تعتري على المورد حالة خاصّة تستلزم التحريم . وهذه تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة ولا يمكن إعطاء صيغة عامّة لها .
ويؤيّد ما قلناه ما روي عن الإمام علي عليه السلام :
« أنّه سُئل عن قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم : " غيّروا الشيب ولا تشبّهوا باليهود " « 1 » فقال عليه السلام : إنّما قال صلى الله عليه وآله وسلم ذلك والدِّين قُلٌّ « 2 » ، فأمّا الآن وقد اتّسع نِطاقه « 3 » ، وضرب بِجِرَانِه « 4 » ، فامرءٌ وما اختار » « 5 » .
يدلّنا هذا النصّ بوضوح على تأثير ظرف الزمان والمكان في أمثال هذه المسائل ، فربّما يكون لبس لباس خاصّ أو هيئة خاصّة تشبّها بالكفّار في زمانٍ ، ولا يكون كذلك في زمان آخر .
كما أنّ التشبّه تارةً تترتّب عليه آثار سيّئة جدّاً على المجتمع الإسلامي ، وتارةً لاتترتّب عليه آثار بهذه المثابة .
هامش
( 1 ) يبدو أنَّ اليهود كانوا يتركون لحاهم تطول ومن دون أنيغيّروا الشيب بالخضاب ، فأمر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم المسلمين بأن يغيّروا الشيب بالخضاب ليراهم الأعداء كهولًا أقوياء ، لا شيوخاً ضعفاء .
( 2 ) أي قليل أهله .
( 3 ) النطاق : الحزام العريض ، واتّساعه كناية عن انتشاره وتوسعته .
( 4 ) الجِران : مقدّم عنق البعير ، يضرب به الأرض إذا استراح وتمكّن وهو معنى كنائى ، أي ثبت واستقر .
( 5 ) نهج البلاغة : 471 ، الحكمة 17 .