4 - إذا صدر الفعل منه مقرونا بالتقرب ، فيدور بين الوجوب والاستحباب ، وإن صدر منه بدون ذلك ، فيدور بينها وبين الإباحة « 1 » .
5 - وقيل : يحمل فعله صلّى اللّه عليه واله : إذا علم صدوره منه على وجه التقرّب فيحمل على الندب ، وإلّا فعلى الإباحة « 2 » .
والذي ذهب إليه السيّد المرتضى ، والشيخ الطوسي ، والمحقّق الحلّي ، والعلّامة الحلّي « 3 » ، وغيرهم ، بل هو المنسوب إلى محقّقي الشيعة الإماميّة « 4 » ، هو :
أنّه لا يمكن حمل فعل النبيّ صلّى اللّه عليه واله بمجرّد صدوره منه - مع فرض عدم علمنا بوجه صدوره - على نوع خاصّ من الحكم ، فإنّ جميعها عدا الحرمة محتمل في حقّه ، فحملها على نوع خاصّ يكون حملا بلا دليل .
« وعمدة ما يصلح للدليليّة لهم ، هو كون الفعل مجملا بنفسه ، لا لسان له يتعبّد بمقتضى ما يدلّ عليه لسانه ، وغاية ما تدلّ عليه أدلّة العصمة أنّ المعصوم لا يرتكب الذنب ، فمجرّد صدور الفعل منه يدلّ على أنّ ما أتى به ليس بمحرّم عليه ، وإنّما هو مباح بالمعنى الأعمّ للإباحة « 5 » .
والإباحة بالمعنى الأعمّ تجتمع مع الوجوب والندب والإباحة بالمعنى الأخصّ التي هي بمعنى تساوي الطرفين .
وأمّا بالنسبة إلى الخلاف في الأمر الثاني ؛ فإنّ الأصوليّين اختلفوا في أنّا لو حملنا فعل النبيّ صلّى اللّه عليه واله على نوع خاصّ من الحكم ، فهل يثبت ذلك في حقّنا أيضا أم لا ؟ فإذا رأيناه صلّى اللّه عليه واله قد تباعد عن الأنظار للتخلّي ، ولم يعلم وجهه أنّه على نحو الوجوب أو الندب أو غير ذلك ، فهل يجب أو يندب لغيره من المكلّفين أن يتباعد أيضا ، أم لا ؟
ذكروا في ذلك أقوالا ، وهي :
1 - وجوب التأسّي والاقتداء به صلّى اللّه عليه واله ، فاللازم في المثال المتقدّم التباعد عند قضاء الحاجة عن الأنظار ، وإن لم يعلم وجه فعله صلّى اللّه عليه واله .
وهذا القول لم أعثر على نسبته إلى واحد من أصحابنا .
نعم ، قال السيّد الطباطبائي عند البحث عن القسم : « ولا يجب التأسّي إلّا فيما يفعله صلّى اللّه عليه واله وجوبا ، أو ما لم يعلم عدم وجوبه » « 1 » .
وقوله : « ما لم يعلم عدم وجوبه » يشمل ما احتمل الوجوب والندب والإباحة والكراهة ، فظاهر كلامه أنّه يجب فعله تأسّيا .
ولكن ردّ ذلك بأنّ : « استدلال بعضهم على الوجوب علينا بأوامر الاقتداء ، الدالّة على لزوم متابعته صلّى اللّه عليه واله في كلّ ما يفعله حتى المباحات ، حيث تتحوّل مباحاته إلى واجبات في حقّنا بحكم لزوم
هامش
( 1 ) قال بذلك المحقّق القمّي في القوانين : 490 .
( 2 ) انظر هامش العدّة 2 : 576 ، فقد نقل عن الغزالي .
( 3 ) تقدّمت مصادر أقوالهم فيما تقدّم .
( 4 ) انظر أصول العامّة للفقه المقارن : 234 .
( 5 ) انظر المصدر المتقدّم .
1 الرياض : 10 : 461 .