والمعنى مثل علاقة الحرارة والنار .
وأمّا الثاني ، فالمفروض عدمه ؛ لأنّ البحث إنّما هو فيما لو ورد الكلام من دون قرينة .
فيبقى الثالث ، وهو الصحيح ، فيكون السبب للتبادر هو الوضع أو العلم به .
لكن إثبات وضع اللفظ للمعنى الخاصّ بهذا التبادر الذي هو ناش ومسبّب عن العلم بالوضع يستلزم الدور .
والجواب عن ذلك هو :
أنّ الذي يتوقّف عليه التبادر إنّما هو علم ارتكازيّ حاصل لأهل كلّ لغة بلغتهم ، حيث يحصل لهم من كثرة ممارستهم لها علم ارتكازيّ بالوضع ، أي وضع الألفاظ لمعانيها .
والذي يتوقّف على التبادر إنّما هو العلم التفصيليّ .
إذن المتوقّف على التبادر - الذي هو العلم التفصيليّ بالوضع - هو غير الذي يتوقّف عليه التبادر ، وهو العلم الارتكازيّ بالوضع .
هذا كلّه بالنسبة إلى العالم باللغة .
وأمّا الجاهل بها - كالأعجمي بالنسبة إلى اللغة العربيّة - فلا يعقل حصول التبادر عنده ؛ لجهله باللغة ، نعم يكون علمه بتبادر أهل اللغة سببا للعلم بالوضع ، وهو لا يستلزم محذور الدور « 1 » .
ثمّ لا يخفى أنّ التبادر لا يثبت أكثر من كون اللفظ حقيقة في المعنى المتبادر في زمان التبادر ، فلأجل إثبات كونه حقيقة في زمان متقدّم عليه ، كما هو محلّ الحاجة ، حيث نحاول الآن إثبات كون المعنى المتبادر هو المعنى الحقيقي حتّى في زمان صدور النصّ ، فلا بدّ من الاستعانة بالاستصحاب القهقري ، فنقول : نحن متيقّنون الآن بإرادة هذا المعنى من اللفظ ، وأنّ اللفظ حقيقة فيه ، ونشكّ هل كان كذلك أيام صدور النص ؟ فنستصحب بالاستصحاب القهقري كونه كذلك في ذلك الزمان أيضا « 1 » .
قاعدة « تبعيّة الأحكام للمصالح والمفاسد »
اشتهر على ألسن المتكلّمين والأصوليين والفقهاء المتقدّمين والمتأخّرين : أنّ الأحكام الشرعية تابعة للمصالح والمفاسد الواقعية النفس الأمريّة .
ومعنى ذلك : أنّ ارتباط الحكم بموضوعه نابع من الارتباط بملاك معيّن ومصلحة كامنة في هذا الموضوع ، وهذا الارتباط يؤدّي إلى دوران الحكم مدار عنوان موضوعه حدوثا وبقاء ، ولا يمكن الخروج عن هذه القاعدة إلّا بشاهد واضح « 2 » .
هامش
( 1 ) انظر الموضوع كلّه في : كفاية الأصول : 18 - 19 ، ونهاية الأفكار ( 1 - 2 ) : 66 - 67 ، والمحاضرات 1 : 120 - 122 ، وبحوث في علم الأصول 1 : 163 - 166 ، وأصول الفقه ( 1 - 2 ) : 21 - 22 ، وغيرها .
1 انظر المحاضرات 1 : 121 - 122 .
2 الرافد في علم الأصول ( تقريرات أبحاث السيّد السيستاني ) : 259 .