على وجه الوجوب أو الندب ، فهنا لا إشكال في وجوب متابعة النبيّ صلّى اللّه عليه واله والتأسّي به ، وذلك :
1 - لعمومات التأسّي ، مثل قوله تعالى :
لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ
« 1 » وقوله تعالى :
فَاتَّبَعُوهُ
« 2 » ، ونحو ذلك ممّا يدل على وجوب متابعة النبيّ صلّى اللّه عليه واله .
ولكن يجب أن نجعل معنى التأسّي هنا يعني الاعتبار ، فإنّ التأسّي كما تقدّم هو : أن نفعل ما فعله على الوجه الذي فعله ، فإذا فعله على نحو الوجوب ، فالواجب أن نفعله على وجه الوجوب ، وإذا فعله على وجه الندب ، فالواجب أن نفعله - إذا أردنا أن نفعله كباقي المستحبات - على وجه الاستحباب ، لا الوجوب ، لأنّا لو فعلناه على وجه الوجوب لم نكن متأسّين به ، بل مخالفين له .
قال فخر الدين بالنسبة إلى وجوب الاستقبال في صلاة النافلة « والحقّ عندي أنّ النافلة حال الاستقرار والاختيار يشترط فيها الاستقبال ؛ لأنّ النبيّ صلّى اللّه عليه واله لم ينقل عنه أنّه صلّى إلى غير القبلة النافلة قطّ في هاتين الحالتين ، والتأسّي واجب لقوله تعالى :
لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ
، وغيرها من الآيات والأخبار الدالّة على وجوب التأسّي ، وقد ذكر في أصول الفقه ، ومعنى التأسّي :
إيقاع الواجب كما أوقعه عليه السّلام ، والندب إذا فعله كفعله . . . » « 1 » .
2 - دليل الاشتراك الدالّ على اشتراك النبيّ صلّى اللّه عليه واله مع غيره من المكلّفين في الأحكام ، عدا ما اختص به من أحكام . وقد تقدّم بيانه في « قاعدة الاشتراك » ، فليراجع هناك .
القسم الثاني - أن لا يعلم وجه صدور الفعل منه صلّى اللّه عليه واله ، هل هو على وجه الوجوب ، أو الندب ، أو الإباحة ؟
وهنا وقع الاختلاف في أنّه يجب التأسّي بالنبيّ صلّى اللّه عليه واله والاتيان بما أتى به ، أم لا ؟
وهذا الخلاف يرجع في الواقع إلى الخلاف في أمرين :
الأمر الأوّل - أنّ فعله صلّى اللّه عليه واله فيما لم يعلم وجه صدوره عنه ، هل يدلّ على وجوبه ، أم استحبابه ، أم إباحته ؟
الأمر الثاني - إذا اخترنا أحد الأمور الثلاثة ، فهل يثبت ذلك في حقّنا أيضا ؟ بمعنى أنّا لو حملنا فعله على الوجوب ، فهل يجب علينا فعله أيضا ، أم لا ؟
أما بالنسبة إلى الخلاف الأوّل ، فقد نقلوا فيه أقوالا ، وهي :
1 - إنّ أفعاله صلّى اللّه عليه واله كلّها تحمل على الوجوب .
2 - إنّ أفعاله صلّى اللّه عليه واله كلّها على الندب .
3 - إنّها تحمل على الإباحة « 2 » .
هامش
( 1 ) الأحزاب : 21 .
( 2 ) سبأ : 20 .
1 إيضاح الفوائد 1 : 78 .
2 ذكر هذه الأقوال الشيخ الطوسي في العدّة 2 : 575 - 576 ، ونسب الأوّل منها إلى مالك وأصحابه .