وفي المقام الثاني تكلّموا عن حالات العامّ والخاصّ التي منها ما لو تأخّر ورود الخاصّ عن العامّ ، فبحثوا عن أنّ الخاصّ عندئذ ناسخ للعامّ أم مخصّص له ، ولمّا كان كثير من الأحكام ؛ إنّما ورد بصورة العموم ثم وردت مخصّصاتها بعد ذلك ، فعلى فرض كون المخصّص المتأخّر ناسخا للعامّ المتقدّم يلزم نسخ كثير من الأحكام ، وهو مناف لخلود الشريعة .
وعلى فرض كونها مخصّصة يستلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة وهو قبيح على الحكيم .
وهناك محاولات لرفع هذا الإشكال ، منها :
أوّلا - محاولة الشيخ الأنصاري :
حاول الشيخ الأنصاري « 1 » - وتبعه صاحب الكفاية « 2 » وغيره « 3 » - أن يرفع الإشكال عن طريق الحكم الظاهري والواقعي ، وبيان ذلك :
أنّه لمّا يرد عامّ مثل « أكرم العلماء » ، فهو ظاهر في العموم ، وله ظهور في أنّ المراد الجدّي للآمر هو إكرام عموم العلماء ، وإن كانت الإرادة الجدّيّة واقعا متعلّقة بغير ما يرد التخصيص في حقّه ، ولكن وظيفة المكلّف المأمور ، العمل طبقا لذلك الظاهر ، وبعد ورود الخاصّ ، مثل : « لا تكرم عمرا » يتحقّق أمران :
الأوّل - الكشف عن تعلّق الإرادة الجدّيّة للآمر بإكرام غير عمرو من سائر العلماء ، وهو مبيّن للحكم الواقعي .
الثاني - نسخ حكم إكرام عمرو الذي كان في ضمن إكرام جميع العلماء ، وكان حكما ظاهريا .
فالتخصيص إذن يكشف عن الحكم الواقعي وينسخ الحكم الظاهري ، والمكلّف مأمور في كلّ مرحلة بالعمل بما هو وظيفته من الحكم الظاهري أو الواقعي .
ثانيا - محاولة الشيخ النائيني :
وحاول الشيخ النائيني - وتبعه السيّد الخوئي - حلّ الإشكال عن طريق آخر ، وهو عدم الالتزام بقبح تأخير البيان عن وقت الحاجة بصورة مطلقة ، وبيان ذلك :
أنّ القاعدة الأوّلية وإن كانت تقتضي عدم تأخير البيان عن وقت التخاطب فضلا عن وقت الحاجة إذا كان المتكلّم في مقام بيان جميع ما له دخل في حكمه ومراده ، لكن لو كانت عادة المتكلّم بيان مراده على نحو التدريج لمصلحة ، كما هو الواقع في تشريع الأحكام ، لم يكن تأخير البيان عندئذ قبيحا ، « فإذا فرض كون المتكلّم حكيما وأنّه يراعي الحكمة والمصلحة في بيان مراده في كلّ وقت بخصوصه لم يكن تأخير بعض مراداته عن وقت الحاجة
هامش
( 1 ) انظر فرائد الأصول 2 : 94 - 96 .
( 2 ) انظر كفاية الأصول : 237 .
( 3 ) انظر نهاية الأفكار ( 1 - 2 ) : 551 .