ولو كان في معابد اليهود والنصارى ، فكيف عند قبر النبيّ صلّى اللّه عليه واله ! « 1 »
ويؤيّد ما تقدّم اشتمال المسجد النبويّ صلّى اللّه عليه واله على القبر الشريف بحيث يقع أمام قسم من المصلّين من دون أن ينكر ذلك أحد ؛ لأنّ المصلّين إنّما يصلّون ويركعون ويسجدون للّه تعالى ، لا للقبر وإن وقع أمامهم .
هذا خلاصة الكلام في التبرّك بقبر النبي صلّى اللّه عليه واله ، وتفصيله يستدعي زمانا آخر ، وقد تكفّلت بعض الكتب للبحث عن ذلك وأمثاله ، وسوف يأتي بعض الكلام في ذلك أيضا في عنوان « زيارة » .
ومما ينقض القول بالحرمة برمّته هو : أنّه إذا ثبت جواز التبرّك به صلّى اللّه عليه واله في حياته ، فما المانع من جواز التبرّك به في مماته والتفصيل بينهما كما يزعمون لم يستند إلى دليل ، فإنّ النبيّ صلّى اللّه عليه واله حياته ومماته سيّان ؛ لأنّه حي بعد موته ، وإن كانت الحياة عندئذ حياة برزخيّة تختلف عن هذه الحياة ؛ لأنّ المهمّ الحرمة وهي لا تدور مدار شكل الحياة .
وممّا ينقضه أيضا : إصرار الشيخين على أن يدفنا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله .
ووصيّة الإمام الحسن عليه السّلام بأن يجدّد عهده بجدّه رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله بعد وفاته ، وامتناع عائشة من ذلك بتحريك مروان وبني أميّة « 1 » .
[ رابعا - ] التبرّك بقبور الأئمة عليهم السّلام :
حكم التبرّك بقبور الأئمة من أهل البيت عليهم السّلام حكم التبرّك بقبر جدّهم النبي صلّى اللّه عليه واله ، والملاك - وهو عدم كون التبرّك بهم عبادة لهم - مشترك بين الموردين .
[ خامسا - ] التبرك بمنبر النبي صلّى اللّه عليه واله :
يجوز التبرّك بمنبر الرسول صلّى اللّه عليه واله ، وكانت سيرة المسلمين قديما وحديثا على ذلك ، مضافا إلى ورود ما يدلّ على جوازه عند الشيعة والسنّة من قبيل :
- ما رواه معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام ، حيث قال له : « إذا فرغت من الدعاء عند قبر النبي صلّى اللّه عليه واله فائت المنبر ، فامسحه بيدك ، وخذ برمّانتيه ، وهما السفلاوان ، وامسح عينيك ووجهك به . . . » « 2 » .
- ما روي عن يزيد بن عبد اللّه بن قسيط أنّه
هامش
( 1 ) قال القسطلاني - كما في كشف الارتياب 333 - في إرشاد الساري شرح صحيح البخاري : « إنّما صوّر أوائلهم الصور ليتأنّسوا بها ، ويتذكّروا أفعالهم الصالحة ، فيجتهدون كاجتهادهم ، ويعبدون اللّه عند قبورهم ، ثمّ خلّفهم قوم جهلوا مرادهم ووسوس لهم الشيطان أنّ أسلافهم كانوا يعبدون هذه الصور ويعظّمونها فحذّر النبيّ صلّى اللّه عليه واله عن مثل ذلك . . . » .
وقال البيضاوي - كما في كشف الارتياب أيضا - :
« لمّا كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور الأنبياء تعظيما لشأنهم ويجعلونها قبلة يتوجّهون في الصلاة نحوها ، واتّخذوا أوثانا ، منع المسلمين من مثل ذلك ، فأما من اتّخذ مسجدا في جوار صالح وقصد التبرّك بالقرب منه ، لا للتعظيم ، ولا للتوجّه إليه ، فلا يدخل في الوعيد المذكور » .
1 تقدّم تخريج مصادره في الصفحة 491 .
2 الوسائل 14 : 345 ، الباب 7 من أبواب المزار ، الحديث الأوّل .