حجّة القائلين بكراهة التبرّك بقبر النبي صلّى اللّه عليه واله :
قال النووي - كما حكي عنه - : « يكره مسحه باليد وتقبيله ، بل الأدب أن يبعد منه ، كما يبعد منه لو حضر في حياته صلى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم » « 1 » .
ونسب ذلك إلى بعض آخرين « 2 » وإن كان في النسبة نظر .
والجواب :
أوّلا - أنّ مراعاة الأدب بمحضر الرسول صلّى اللّه عليه واله واجبة في حياته ومماته ، وصدور ما يخالف الأدب حرام ، مثل رفع الصوت عنده ، وهذا واضح .
إنّما الكلام في مصداق ذلك ، فهل مجرّد مسّ القبر بعنوان التبرّك ومع مراعاة الأدب من جهات أخر ، خلاف للأدب أو هو من الأدب ؟ « 3 »
لا إشكال في أنّه من الأدب .
ثانيا - روى البخاري - كما تقدّم : « إذا توضأ النبي صلى اللّه عليه [ وآله ] وسلم كادوا يقتتلون على وضوئه » « 1 » ، فلما ذا لم يكن التغالب على وضوئه صلّى اللّه عليه واله مخالفا للأدب ، ومجرّد مسّ القبر مخالفا له ؟ !
والصحيح أنّ كليهما لم يكن مخالفا للأدب ، بل هو إظهار للحبّ والولاء مقرونا بقصد التبرّك .
حجّة القائلين بحرمة التبرّك بقبر النبي صلّى اللّه عليه واله :
احتجّ القائلون بحرمة التبرّك بقبر النبي صلّى اللّه عليه واله بأمور :
الأوّل - أنّه ليس في القرآن الكريم ولا في السنّة النبوية ما يدلّ على مشروعيّة هذا التبرّك بقبره صلّى اللّه عليه واله « 2 » .
والجواب :
أنّه لا تتوقّف حلّية الأشياء على التنصيص بحلّيتها ، بل يكفي عدم ثبوت حرمتها عموما أو خصوصا .
ودعوى ثبوت حرمة التبرّك بالقبر في الكتاب والسنّة أوّل الكلام . فهو بحاجة إلى إثبات .
الثاني - نهى الرسول صلّى اللّه عليه واله عن اتّخاذ قبره عيدا فيما رواه أبو هريرة قال : « قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله :
لا تجعلوا بيوتكم قبورا ، ولا تجعلوا قبري عيدا ،
هامش
( 1 ) الإيضاح في المناسك ( للنووي ) : 161 ، كما عن كتاب التبرك : 327 ، للدكتور ناصر بن عبد الرحمن بن محمد الجديع .
( 2 ) نسبه الدكتور المذكور ، وممّن نسبه إليهم صاحب المغني ، لكن الموجود فيه : « ولا يستحبّ التمسّح بحائط قبر النبي صلى اللّه عليه [ وآله ] وسلم ، ولا تقبيله » المغني 3 : 591 ، وأين عدم الاستحباب من الكراهة ؟ ! نعم ، الكراهة يلازمها عدم الاستحباب ، لكن عدم الاستحباب لا يلازم الكراهة دائما ، بل هو لازم أعمّ ؛ لاحتمال الإباحة .
( 3 ) ترى من يدّعي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر منهم يستدبر قبر النبي صلّى اللّه عليه واله ويجعل قفاه نحوه وينهى الناس عن مسح الضريح ، يريد من الناس أن يراعوا الأدب بأن لا يمسّوا القبر وهو يستدبره !
1 تقدّم تخريجه في الصفحة 490 .
2 انظر كتاب التبرك : 329 .